أخبار

ثقافة و علوم

أخبار محلية

Latest Updates

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ البوح بالسر

لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-20
  ... أسابيع قليلة بعد ذلك، كانت السيدة فتيحة في زيارة للسيدة خديجة في منزلها، طقوس الضيافة المعتادة حاضرة، مائدة تحوي بعض اللوز و إبريق شاي تفوح منه رائحة النعناع العطرة، و حولها السيدة خديجة و جارتها تتجاذبان أطراف الحديث، و صيحات السيدة فتيحة تحدث قرعا في أذني فاطمة التي أخذت مكانها بالقرب من والدتها، تتألم لرؤية والدة ذلك المعتوه تضحك و تمرح في قلب منزل أسرتها، تعرفها جيدا، صيتها ذاع في القرية كلها، الجميع يعلم أنها تتمتع بخصال مميزة، فهي أنانية و قاسية القلب لا تعرف معنى الرحمة، لسانها لا ينطق إلا بما يسيء للناس، و كذلك هو ابنها، يشبهها كثيرا، فالتمر لا يسقط بعيدا عن النخلة.. و ما يزيد الطين بلة، كونها تتحدث عن أولادها بفخر، تمدحهم و تحكي عن محاسنهم التي يبدو أنهم لا يظهرونها إلا أمام والدتهم.كانت فاطمة لا تعير انتباها لما يدور بين السيدتين من حديث، و أكثر ما يحز في نفسها هو أنها سمحت لهذه المرأة بأن تلج البيت، لو علمت ما فعله ولدها الذي تعتز به لما استطاعت أن تري وجهها لأحد، أو ربما لا..كانت لتدافع عنه و تصف متهمه بالكاذب..
_"فاطمة، ما لكِ لا تشاركيننا الحديث؟"تقول السيدة حليمة.
_"أشعر ببعض الدوار يا خالتي" ترد فاطمة.
_"لقد بلغت فاطمة سن الرشد، و ازدادت جمالا و بهاء، إنها تحتاج لزوج الآن ليمتعها بشبابها، أ ليس كذلك يا خديجة؟"
تبتسم السيدة خديجة و تنظر ناحية ابنتها ثم تقول:
_"سأجد لها الزوج المناسب إن شاء الله"
_"لست محظوظة يا صاحبتي، لقد كنت لأختارها زوجة لابني مصطفى، فهو لن يجد أجمل منها في القرية كلها"
فتنهض فاطمة و تترك المجلس دون أن تنطق بكلمة، بينما السيدتين تنظران إليها باستغراب، فتستفسر السيدة حليمة:
_"ما بالها؟هل قلت كلاما في غير محله؟"
_"لا عليكِ، إنها خجولة بطبعها، و الحديث عن الزواج يحرجها"
لا تعلم السيدة فتيحة بأنها جرحت فاطمة بكلامها ذاك، أن يتزوج منها عدوها الأكبر، و الشخص الذي لطخ صفحة حياتها البيضاء بمداد الاغتصاب الأسود، أمر مستحيل أن يقع حتى و إن عزمت السيدة حليمة على خطبتها له فعلا.لن تعرف فاطمة معنى للسعادة بعد ما حصل، حتى و لو عوقب ذلك المجرم، كيف لأحد من سكان هذه القرية أن يقبل بالزواج منها و هي التي فقدت العلامة المميزة لأنوثتها و لصفاء شرفها و حرمتها؟.خرجت من المنزل و أسندت رأسها إلى جذع أحد الأشجار القريبة من المنزل، و همت بالبكاء، صورة اعتدنا أن نرى عليها هذه الفتاة التي تتعذب وسط كتمانها للسر الذي سيجعل حياتها جحيما ما لم تلطف بها الأقدار.
    كانت الأسرة قد أتمت للتو تناول طعام العشاء، و اتجه حسن بعد ذلك ليتمشى بالقرب من البحيرة، بينما بقيت الأم و ابنها خالد و أخته فاطمة يحملقون في شاشة التلفاز من دون أي اهتمام لما يعرض عليها، فخالد لم يعجبه ما تبثه المحطة، و السيدة خديجة تعيد تصفح شريط الأحداث التي مرت اليوم في الدكان، أما فاطمة فلم تخالف عادتها هذه الأيام، غابت شمس السعادة عن أيام حياتها، مزاجها عكر، تجلس شاردة الذهن، كئيبة الملامح، شاحبة الوجه، إن نظرت في عينيها تعرف حجم العذاب الذي تعيشه هذه الفتاة التي ذبلت و هي في ريعان شبابها، فانطفأت الشمعة التي كانت تضيء دربها و تدفعها إلى مواصلة المشوار لتحقيق أحلامها، أحلامها التي لا تتجاوز طموح كل شابة بأن تعيش في حضن رجل يعرف معنى الحياة و السعادة، يحترمها و يحبها و يضعها بين عينيه و يعتني بها، وجدت فجأة أن كل ما تمنته تبخر و أصبح من الخيال، و كل هذا بسبب ولد قبيح المظهر، قبيح السمعة و الخلق.شابة جميلة و متخلقة تجد نفسها ضحية مراهق مخبول قضى على حياته، و أخذ يقضي على حياة الآخرين.
و ما هي إلا دقائق حتى خلد جميع أفراد الأسرة إلى النوم، غير أن حسن لم يراود النعاس بعد جفنيه، و ظل يقظا يسرح بخياله هنا وهناك.ثم، فجأة سمع صوت أنين يصدر عن شقيقته التي تنام في الركن الآخر من الغرفة، صوت يدل على أنها تبكي بصمت، أخذت تبكي و تبكي..،كانت صور ذلك الحادث الأليم تعاود مهاجمة مخيلتها، فتواصل تعذيبها و معاقبتها، و كلام السيدة حليمة عن جمالها و قرب موعد زواجها لا يكف يغيب عن مسامعها، فلم تتألم كما تألمت اليوم، بينما حسن يراقبها بعينيه اللتين امتلأتا بالدموع، فتألم هو الآخر لحالها، لكنه لم يجرؤ على الاقتراب منها و تهدئتها، و لم يستطع أن ينطق بكلمة لمواساتها و سؤالها عن السبب وراء بكاءها، فظل يراقب المشهد دون أن يصدر أية حركة.
    حل صباح اليوم الموالي، نفس النظام يحكم تحركات أفراد الأسرة، الوالدة و خالد في الدكان، فاطمة رفقة أعمالها المنزلية المعتادة، و حسن الذي اختار أن يعيد تصفح بعضا من كتبه القديمة، و هو يتحين الفرصة المناسبة لكي يسأل أخته عن السبب وراء كثرة بكاءها ليلة أمس، فقد أحس بأنه سيضايقها إن لم يختر الوقت المناسب لعرض الموضوع عليها، خصوصا و أنها بدت مضطربة أكثر هذا الصباح، و بدا كذلك أنها لم تذق طعم النوم.
انتصف النهار، ثم، سرعان ما اقترب موعد أذان صلاة العصر، و الساعة تشير إلى الرابعة و بضع دقائق، توجه حسن على الينبوع ليجلب بعض الماء، و هو في طريقه إلى هناك، تائه بين الأفكار و الذكريات و الأسئلة التي تداعب مخيلته، أبصر على مقربة من الطريق بعض الفتيان الذين كانوا يتسامرون و يمضون الوقت في لعب الورق، بل و إن البعض منهم كانوا يدخنون، و قد كان بينهم ابن الجار، مصطفى، لمحه حسن و هو يمسك بالسيجارة بين سبابته و وسطاه، ثم استدار مصطفى بدوره فوقع بصره على وجه حسن، و أطلق قهقهة غير عادية، بينما أكمل حسن طريقه نحو الينبوع دون أن يلتفت مرة أخرى نحوهم.عندما أخبره مصطفى عن وفاة والده دون أن يكلف نفسه حتى عناء تعزيته و مواساته بلطف، بل أعلمه بالأمر معبرا عن فرحه بابتسامته القبيحة، ذكرى سيئة لن تُمحى من الأرشيف الأسود لحسن، دفعته بأن يشعر بالكراهية و البغضاء تجاه هذا الشخص القاتل للمشاعر، و لربما ازداد كرها له لو علم بما فعله بشقيقته.
عاد بعد ذلك إلى المنزل محملا ببضع لترات من الماء، و بينما كان يهم بنزع حذاءه، رأى أن شقيقته فاطمة، التي كانت جالسة تشاهد ما يعرض على شاشة التلفاز، تمسح بسرعة آثار الدموع البادية على وجهها، فتوجه للجلوس بجانبها، و جثا على ركبتيه، ثم نظر في عينيها و قال:
_"لماذا أنت كثيرة البكاء هذه الأيام يا أختي؟ سمعتكِ ليلة أمس تبكين بشدة، و ها أنا ذا أرى بوضوح آثار الدموع على وجنتيكِ.. ماذا حل بكِ؟"
لم تستطع فاطمة أن تجيب عن سؤال شقيقها، بل و انهمرت الدموع من عينيها مرة أخرى، فأمسك حسن بيدها اليمنى بكلتا يديه و ضغط عليها بشدة، ثم واصل خطابه قائلا:
_"هل هناك شيء ما تخفينه عني يا فاطمة؟ لا تترددي في إخباري بالأمر، لم يكن و لن يكون بيننا ستار يحجب أحدنا عن الآخر، لطالما كنت أحكي لكِ عن مشاكلي حتى و إن كانت صغيرة، و هذا كان منذ نعومة أظافري، لا تترددي في مشاركتي كل همومك و إخباري بشكاياتكِ و مشاكلكِ"
أجابت فاطمة وهي تغالب الدموع:
_"لقد سبق و أخبرتك يا أخي..،إنها الحال المزرية التي نعيشها، و المصائب التي توالت علينا .."
قاطعها حسن قائلا:
_"لا يا فاطمة، إنني أحس بأنك تخفين الحقيقة عني، لم أركِ في حياتي تحزنين كل هذه المدة..، أتوسل إليكِ يا فاطمة أن تخبزيني بما يقلقكِ، أرجوكِ يا أختي، أنا أرى أن عينيكِ تقولان العكس..لا تكذبي علي يا أختي أرجوكِ"
ازدادت دموع فاطمة غزارة، و تيقن حسن أنها تخفي عنه أمرا ما، فوضع كفيه على كتفيها و قال بصوت حنون
_"هيا يا فاطمة، أخوكِ يستمع إليكِ، و مستعد لمساعدتكِ، و أعدكِ أنه إن كان أمرا سريا فسوف أبقيه طي الكتمان"
أحست فاطمة بأنها يجب أن تخبر شقيقها بما جرى، لعلها تجد فيه الشخص الذي سيعينها لتجاوز محنتها، فقد كان أخوها دائما عند حسن ظنها، فمسحت دموعها و أخذت نفسا عميقا قبل أن تقول:
_"كان ذلك عندما ذهبتَ رفقة والدتي إلى المدينة لتتبضعوا من أجل الدكان، خرجت متوجهة إلى الينبوع من أجل إحضار بعض الماء، و عندما كنت في طريق العودة...،هاجمني..مص..، هاجمني مصطفى..، مصطفى ابن السيد محمد.."...(يتبع)


رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ عناد فاطمة

لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-19
عندما بدأ الجو يتلطف بحلول المساء، و بعد يوم كان حارا للغاية، عادت السيدة خديجة من الدكان رفقة خالد مبكرا، كانا يسيران في اتجاه المنزل بخطوات سريعة نوعا ما، و على وجهيهما علامات الفرح و السعادة، و كان خالد الأكثر تحمسا للوصول إلى المنزل، و ذلك من أجل إخبار أخيه حسن بنتيجته الدراسية، حيث كان يحمل في يده ورقتي نتائجه و نتائج أخيه، و ابتسامته البريئة تبشر خيرا، فقد نجح الاثنان، و بحصيلة ممتازة كالعادة.و ما هي إلا لحظات حتى كان حسن يتأمل بيان نتائجه الدراسية بفخر، و بيان نتائجه الدراسية بفخر، و بيان نتائج شقيقه بفخر أكبر، أما فاطمة، فقد كانت هذه أول مرة، و منذ وقت طويل، تُظهر ابتسامتها العذبة بياض أسنانها الناصع، تتفحص هي الأخرى حصيلة أخويها الدراسية و البهجة تغمر قلبها و تزيل سحابة القلق التي احتلته لمدة ليست بالقليلة، لقد كان هذا الخبر يستحق فعلا أن يُعجّل بنقله إلى مسامع باقي أفراد الأسرة، فقد كان أول خبر يضفي على البيت نوعا من البهجة منذ أن توفي السيد إبراهيم، و لعل ما يدل على ذلك، عيني السيدة خديجة اللتان امتلأتا بالدموع فخرا و اعتزازا، و العبارة التالية تتردد في خاطرها:
_"ليت المرحوم كان هنا معنا ليرى بعينيه ماذا يصنع ولداه.."
بعد ذلك، اتجه حسن إلى البحيرة، إنها مناسبة لتخليد ذكرى الوالد، ذهب و جلس في المكان الذي كان مفضلا لدى السيد إبراهيم، و أخذت ذاكرته تسترجع بعض الصور و الذكريات المفرحة و المحزنة.تغلغلت الدموع في عينيه عندما تذكر ما كان ينصحه به أبوه.كان كلما أتيحت له الفرصة يذكر ولديه بأهمية الدراسة و أهمية التفوق، و كان يرشدهما من أجل الوصول إلى المبتغى الذي هو إخراج هذه الأسرة من ظلمات الفقر و أعاصيره التي يتخبط في دواماتها كل أفراد هذه الأسرة، و ها هو اليوم، عازم على أن ينفذ وصية والده، رغم كل الصعوبات و التحديات، يتعهد و يحمل على عاتقه مسؤولية تحقيق أحلامه و أحلام عائلته، يحلم بذلك اليوم الذي سيكون قد وصل فيه بهم إلى بر الأمان، و لكن ما يؤلمه الآن هو عدم تواجد كبير الأسرة معهم، لكي يفرح و يسعد هو الآخر بالنتيجة التي حصل عليها ابنيه، يتخيله يمسك ببيان النتائج و هو يراقب نقط جميع المواد الدراسية التي تفوق فيها ابنه برضا كبير، فرسمت دمعة طريقها على خد حسن، و رفع رأسه ليتأمل السماء الزرقاء، و يقسم بأنه سيحلق عاليا كما يفعل ذلك الطائر هناك، و سوف يبني مجده و مجد عائلته الغالية، قائلا بصوت خافت كله عزيمة و إصرار:
_"لن أنساك يا أبي يوما، و سأعمل على تحقيق ما لم تحققه حتما".
ثم هم بالعودة، فقد حل الظلام، و بدا القمر عاليا يعكس ضوء الشمس ليجعله في أبهى صورة و هو يسقط على سطح مياه البحيرة، في هذه الليلة الغراء التي حملت لمنزل السيدة خديجة خبرا اطمأنت له النفوس و انشرحت الصدور لسماعه، كوب ماء أخمد تلك النيران التي كانت تلتهم حياة هذه الأسرة. و في طريق عودته، كان حسن يتثاقل في مشيته، و هو يحاول تصور حاله و حال عائلته بعد سنوات من الآن، هل سيتمكن من الوصول إلى مبتغاه؟ سؤال صعب، لكن طريقة الإجابة عنه سهلة، فهو متعلق باجتهاده و جده و تعبه، و وقوفه ندا في وجه المشاكل و المصاعب و كذا أولئك الذين يحسدونه و يكرهونه، و في مقدمتهم كما يعتقد حسن، مصطفى ابن الجار، فتلك الكلمات التي قالها إبان وفاة السيد إبراهيم، لن تُمحى من ذاكرته، و لعل حسن سيزداد كرها لهذا الفتى إذا ما علم بما فعله بأخته فاطمة، و لربما نزع حينها رداء الاحترام و اللباقة، و اضطُر لاستعمال أسلوب آخر.وصل حسن إلى البيت حيث وجد الباقين قد أعدوا عشاء غير عادي، و الجد هناك، يشارك الأسرة فرحتها بنتائج الولدين.
في صباح اليوم التالي، كان الجميع قد عاد لنشاطه المعتاد، الأم في الدكان، يتناوب الابنان على مساعدتها، و فاطمة منشغلة بالأعباء المنزلية، و قد عادت غيمة الكرب، التي انقشعت لبعض الوقت و هي تشارك أخويها فرحة نجاحهما، لتحيط بها من جديد، و بدت أكثر حزنا، بدأت تحس بأن لا أحد يهتم بها، والدتها أصبحت لا تبالي بها و هي منشغلة بأحوال الدكان، فقد كانت صديقتها الوحيدة في هذه القرية التي تحكي لها همومها و تواسيها في أوقات كربها و تشاركها أفراحها، لكن، تغيرت الأوضاع، و توجب عليها الاعتناء بنفسها و بأخويها.و ماذا عن مستقبلها؟ أ ستظل تخدم هذا المنزل إلى أن تجد نفسها ضحية إخلاصها لعائلتها؟لكن المشكلة الأهم الآن، هي المصيبة التي حلت بها، و شبح الخوف الذي يلاحقها و يرفض أن يخلي سبيلها، فعلها ذلك المجرم اللئيم و نجا بفعلته، و هذا أكثر ما يؤلمها و يحز في نفسها، تغرق وسط دوامة التفكير هذه باستمرار، ثم تخلص لكونها لن تجد حلا، فتتمتم قائلة:
_"لا حول و لا قوة إلا بالله".
الساعة تجاوزت الرابعة عصرا بقليل، و كان حسن قد عاد للتو من الدكان، توضأ و أدى صلاة العصر، ثم هم بالجلوس بالقرب من أخته فاطمة التي كانت تزيل الشوائب و تفصلها عن حبوب الفاصولياء من أجل إعدادها على طعام العشاء.بدا صامتا لمدة قصيرة، ثم بعدها، و بعد تفكير عميق، استفسر شقيقته قائلا:
_"لاحظت أن حالتكِ تزداد سوءا يوما بعد يوم، أ تظنين أن كل هذا بسبب ذكرى والدي؟"
لم تجب فاطمة عن سؤال أخيها، تجاهلته و لزمت الصمت، لكن حسن أردف و قد رسم ثغره ابتسامة ماكرة:
_"أ تراه الحب؟هل تحبين أحدهم و هو لا يبالي بكِ؟أخبريني بما لديكِ، نحن شقيقان،أوليس كذلك؟"
نظرت فاطمة في وجه أخيها بعيونها الحزينة التي امتلأت بالدموع، و قالت:
_"هذا ما كان ينقصني"
فلم يتردد حسن و قال بصوت أكثر جدية:
_"إذن ماذا بكِ؟توفي والدي منذ مدة، نحن لم ننساه و لن ننساه أبدا، لكن الموت من سنن الله عز و جل، و كذلك بالنسبة للفقر و الشقاء، هذا قدر الله.و لا يتوجب على الإنسان أن يقف مكتوف الأيدي تعيسا حزينا إذا ما كانت حياته مليئة بالمشاكل، بل و بالعكس، عليه أن يطمح ويكافح و يجاهد و يفعل كل ما في وسعه..، ثم إنكِ ما زلت شابة، بل و في عز شبابكِ..لما.."
ثم توقف حسن للحظة و أمسك بيدي شقيقته و استرسل:
_"أنا أحبكِ، و أريد مساعدتكِ، لا أطيق أن أراكِ حزينة هكذا، لقد غابت ابتسامتك عن ناظري لمدة طويلة، حتى البارحة و نحن نحتفل، كنتِ تصنعين ابتسامة مقنعة، و كانت عيناكِ تترجمان رسالة مشفرة لا أستطيع قراءتها، و لا شك أنها تحمل أنباء حزينة..، شيء ما يعكر صفو فرحتكِ، هو وتد غُرز بقوة في قلبكِ..، أخبريني يا فاطمة ما مشكلتكِ؟"
أراد حسن أن يمنح أخته ثقة أكبر في نفسها لكي تخبره بما يدور في رأسها و يسبب الغثيان لنفسيتها، بينما ركزت هي نظرها نحو الأرض، و الدموع تنهمر على خديها، و فكرت أن تقول الحقيقة، أن تفصح عن ما حدث، أرادت أن تجد من يساعدها للإطاحة بذلك المجرم الذي سرق عرضها و أنوثتها، ففتحت فمها لتبدأ الكلام و تعترف لشقيقها بما وقع..،لكنها وجدت صعوبة بالغة في ذلك، تتوقف الكلمات عند حنجرتها و البكاء قد غالبها، و حسن ينظر إليها بعطف ينتظر ما ستقول...،تراجعت بعد ذلك فاطمة و عدلت عن قرارها بعد أن تذكرت تهديد ذلك الوغد، فازدادت غزارة دموعها، ثم استجمعت قواها و قالت:
_"لا أدري ما الذي يصيبني، أحس بضيق في صدري..، و ذلك منذ أن توالت المصائب التي تسقط على رؤوسنا، بدأت الدنيا تسود في عيني، أرمق المستقبل بنظرات متشائمة، لذلك تراني دائمة الحزن و الكرب، صدقني يا حسن..هذا كل ما في الأمر"
ثم ارتمت في حضن شقيقها، و أخذت تعزف سمفونية البكاءأحس حسن بالثقل الملقى على ظهر أخته، و علم مدى معاناتها و حجم الكآبة التي تحيط بها، لكنه لم يصدق مبرراتها تلك، و مع ذلك، اضطر إلى الاكتفاء بما سمعه، فعانق شقيقته بقوة، ولم يتمالك نفسه هو الآخر، فهزمته الدموع، و نطق بصعوبة قائلا:
_"لا أريدكِ يا فاطمة أن تبكي مجددا، انسي الماضي الأليم، و عودي إلى حالتك الطبيعية، أنت وردة في مقتبل العمر..عودي لتتفتحي من جديد، أمامك المستقبل كله، و لا تحزني، و أنا أعدكِ بأن أعوضكِ عن كل ما ضاع وعن كل ما سيضيع..هيا امسحي دموعكِ و ابتسمي، و اجعليني أراكِ سعيدة و لو للحظات"
فمسح دموع أخته و ابتسم ابتسامة عذبة فقابلتها بأخرى أكثر عذوبة و صفاء، عانقا بعضهما البعض من جديد و بقوة أكبر، فكانت فاطمة قد أحست أنذاك ببعض الارتياح يعود ليخفف من وطأة معاناتها .

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ صيف حارق


لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-18
... مر يومان بعد ذلك، منزل السيدة خديجة يعرف نفس الروتين اليومي، الأخوان و انشغالهما بالدراسة و التنقل بين المدرسة و البيت ذهابا و إيابا، الأم التي بدأت تكرس وقتها كاملا لتحريك اقتصاد الأسرة الذي لا يبارح مستقره، منشغلة بتسيير الدكان، أصبحت لا تعود إلى بيتها بين أولادها إلا في أوقات متقطعة، فلا يستمتع أبناءها بالجلوس معها إلا بعد إقفالها للدكان و عودتها إلى المنزل بحلول الليل.ماذا عساها تفعل غير ذلك؟ ما باليد حيلة، لا يغمض لها جفن و الناس نائمون، أتعبت نفسها من التفكير لعلها تجد مخرجا آمنا لإنقاذ هذه الأسرة العزيزة على قلبها، و بناء مستقبل أولادها اليتامى.أما فاطمة، فمنذ أن تعرضت للهجوم الوحشي من قبل المراهق الطائش، و هي تحس بالضيق يغزو صدرها، و الألم يجرف كل إحساس في أعماقها و كأن أحدهم يمزق أوتار مشاعرها فلا يترك بداخلها إلا إحساسا بالخوف، الأسى، الضجر و الوحدة، فتظل عينيها تصنعان عصيرا مرا من فاكهة الدموع و هي تقوم بأشغالها المنزلية المعتادة.
    عاد حسن و خالد اليوم مبكرا من حصتهما الدراسية دون سابق إنذار، و ذلك بسبب الإضراب العام الذي يشنه رجال التعليم اليوم.و في طريق العودة، كان الحديث بين الشقيقين يدور حول يوم العطلة الغير المنتظر الذي حصلا عليه، قال خالد متسائلا:
_"يا أخي، لماذا تعددت الإضرابات هذه الأيام؟ و ما الهدف منها؟"
رد حسن قائلا:
_"إنها سياسات نقابات التعليم التي تسعى وراء تحقيق مطالبها، فتلجئ لهذا النوع من الممارسات"
_"كانوا على الأقل ليشعرونا بكون اليوم يوم إضراب لكي لا نضطر لقطع هذه المسافة بدون جدوى"
_"إنهم بهذه الإضرابات المتعددة يساهمون في عدم إتمام مقررات السنة، فنجد مشاكل عدة في السنوات اللاحقة"
...ثم أكملا طريقهما و هما يتجاذبان أطراف الحديث في جو أخوي مرح إلى أن وجدا نفسيهما أمام عتبة المنزل.
لم تتفاجئ فاطمة لعودة أخويها، بل إنها لم تعر انتباها لعودتهما، فهي غارقة في همومها، تكنس البيت و هي تتمنى أن تجد من يكنس المآسي و الآلام التي تملأ قلبها.أقبل عليها خالد سائلا:
_"أ أنت في حاجة إلى المساعدة يا أختي؟"
_"لا، اذهب و العب فأنا لست في حاجة للمساعدة"
استغرب خالد لرد فعلها غير اللبق هذا، و استغرب لمزاجها السيئ الذي أظهرته اليوم، فلم يجد خالد بديلا غير أنه انصاع لأمر أخته و خرج متجها إلى الدكان، لكي يتفقد أحوال والدته هناك. و كان حسن ينصت لما دار بين أخته و أخيه من حديث قصير، و على عكس شقيقه، لم يستغرب لرد فاطمة، فقد لاحظ أن انطباعها تغير كثيرا، و غابت شمس ابتسامتها الحلوة التي كانت تشرق على وجهها الجميل فتزيده جمالا، و هذا ما كان يطمئن حسن عندما ينظر في محيا شقيقته، ابتسامتها العذبة تريحه و تجعل غضبه يخمد، لكنها هذه الأيام ليست في أفضل أحوالها.بعد أن غير ثيابه، اقترب من أخته التي كانت تكنس بوابة المنزل، فوضع يده على كتفها بهدوء، فاستدارت نحوه، أمعن النظر في عينيها الكئيبتين و وجهها الشاحب، و قال بنبرة تحمل نوعا من الرقة و العطف:
_"فاطمة..أختي،أنت تعلمين أنني أعزك، و تعلمين أنني أعرفك جيدا أكثر من معرفة أي أحد آخر بكِ، لاحظت أنكِ في حال سيئة هذه الأيام، ماذا حل بكِ؟ أخبريني بما يلف قلبكِ علني أخفف عنكِ؟"
لزمت فاطمة الصمت لوهلة و ركزت نظرها نحو الأرض ثم قالت:
_"لا شيء يا أخي، لا تشغل بالك، أشعر بضيق في صدري هذه الأيام و لا أعرف سببه، لا تقلق و حسب"
_"أنا متأكد من أن هناك ما يشغل بالكِ أكثر من هذا، لا تكذبي علي يا أختي، ليس من عادتنا أن نخفي أي شيء عن بعضنا البعض..أنا شقيقك، أخبريني إن كنتِ تعانين من مشكلة لأساعدك في حلها"
فتصرخ فاطمة في وجهه قائلة:
_"لست أعاني من شيء، أسمعتني، ليست لدي أية مشكلة"
 فتدير ظهرها له، و تعود لإتمام ما بدأته، غير أن حسن لم يستسلم لعنادها، فأمسك هذه المرة بيدها اليمنى، و قال بنبرة أكثر رقة:
_"لست أحاول سوى مساعدتكِ يا أختي، و أنا أرى بوضوح علامات القلق في عينيكِ"
فتنهمر الدموع من عينيها، و تترك المكنسة تسقط أرضا، عانقها حسن و ضمها إلى صدره بقوة ثم قبّل جبينها منتظرا ردها قبل أن تردف قائلة:
_"إنها أحوال أسرتنا التي تقلقني، و أحزان وفاة أبي التي عاودتني يا أخي،ليس إلا"
أصرت على أن تخفي ما وقع لها، كانت خائفة من أن يكون رد فعل حسن سلبيا، و أحست كذلك بأنها يجب أن لا تثقل كاهل أسرتها بمشكلة أخرى، فاختارت أن تتحمل العبء لوحدها، رغم العذاب الذي سيلحقها و رغم الألم الذي ستزداد وطأته يوما بعد يوم، لكنها علمت اليوم قدر محبة أخيها لها و أحست و هي تعانقه بأن جزءا من همومها بدأ ينجلي و ببعض الأمل يتسلل إلى أعماقها.
مرت الأيام و حل فصل الصيف بحرارته الحارقة، و حلت معه العطلة السنوية، يلقبه حسن بفصل الملل، لأن أطفال هذه القرية و شبابها، و على قلتهم، لا يجدون طوب حجر يملئون به الفراغ الذي يحيط بهم كلما أقبلت عطلة آخر السنة سوى أنهم يمضون وقتهم في السباحة في مياه البحيرة غير واعين بالمخاطر التي تحدق بهم من أمراض تنتج عن أشعة الشمس الحارقة و الجراثيم التي تملأ المياه و كدى احتمالات الغرق، فكثيرة هي الفرص التي انتهزتها مياهها الراكدة لتبلع أحد هؤلاء المساكين، رغم إتقان معظمهم لأصول السباحة، و كما يحلوا لسكان القرية تسميتها "بحيرة الأربع"، لأنها اعتادت كل سنة أن تحفر في أعماقها قبورا لأربعة أشخاص على الأقل، فجمالها الساحر هذا يخفي وراءه شراسة غير عادية في مواجهة كل من أراد الاستجمام و الاستمتاع بالسباحة في مياهها.
لكنه صيف خرج عن المألوف في مذكرة أسرة السيدة خديجة، فهذا أول صيف ستقضيه هذه الأسرة دون الأب، الذي توفي فجأة، و ترك زوجته و أبناءه يواجهون العقبات التي تلقيها أمامهم أيادي القدر.و كان كلما اشتد القيظ هذه الأيام كلما ازدادت الكآبة في وجه فاطمة، و كلما أحس حسن بتفاقم وضعيتها النفسية التي لم يعرف لها دواء خصوصا و أنها تصر على أن تخفي سبب حزنها. كان يسمعها كل ليلة و هي تصدر أنين بكاء و انسياب دموع و هي على فراشها، فكان شقيقها يتألم كلما تألمت، و يزداد حيرة على حيرته كلما رآها على هذه الحال، و كل هذا يقع من وراء ظهر السيدة خديجة، التي انشغلت بتسيير الدكان و غرقت في بحر مشاكله..(يتبع).


رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ العودة من المدينة


لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-17
  ... إنها الرابعة عصرا، وجدت فاطمة مكانا هادئا أمام عتبة المنزل، تعيد هناك التفكير فيما حدث، و صور الحادث لا تكف عن تعذيبها، لا تجد سوى البكاء مواسيا، بينما شقيقها خالد جالس بالقرب منها ينتظر عودة والدته و شقيقه، لم يلحظ الحزن البادي على محيا أخته، استقبل قصتها التي روتها حول ما حدث لها ببراءة، فظن أنه حادث بسيط كان مقدرا أن تلعب فاطمة دور الضحية فيه، فلا يشغل باله الآن إلا العودة المنتظرة لوالدته و أخيه.و كانت العديد من الأسئلة تجول في ذهن فاطمة، تتساءل عن ما سيحمله المستقبل من جديد و إلى ماذا سيؤول وضعها، تُرى هل شاهد أحدهم ما حدث؟هل فعلا سينفذ الوغد انتقامه إذا ما أخبرت أحدا بما وقع؟تلوم نفسها تارة، و تسقط اللوم عنها تارة أخرى،لكن كيف ذلك و الواقعة ليس لوقعتها مثيل.لكنها قررت أن تخفي ما حدث و أن لا تخبر أحدا، لأنها خائفة..، خائفة من انتقام مصطفى، فهذا النذل الحقير لا معنى لحياته، و هو حتما سينتقم.و في خضم سردها لهذه الأفكار، و على الهامش، كان هنالك صوت ينبعث من أعماقها يُسمع له صدى في أذنيها، صوت قوي يقول لها:لا يا فاطمة، لا تستسلمي لهذا المجرم، لا تدعيه يفلت بفعلته،لا تدعي شرفك يلطخ بدماء العار، لا تجعليه يبدو كالبطل و أنت كالخاسرة، لا تتحملي العواقب لوحدك.لكن فاطمة كانت تدفن هذا الصوت و تُسكته لأنه يزيد من عذابها و معاناتها التي ستستمر ما دامت مصرة على كتمان سرها.
    فجأة، ظهر مصطفى، و على ثغره الكريه ابتسامة ثقة، و كأنه يؤكد على أنه سينفذ انتقامه إذا ما  اضطر لذلك، لم تتحمل فاطمة رؤية وجهه الخبيث، فنهضت و أسرعت في الدخول إلى البيت، و ارتمت على الحصير و بدأت تنتحب، بينما خالد يستغرب لما يقع، فنظر في وجه مصطفى الذي ألقى عليه التحية مبتسما و قال:
_"كيف حالك يا خالد؟"
رد خالد مبتسما بدوره:
_"بخير و الحمد لله".
ثم أكمل مصطفى طريقه نحو منزلهم بالجوار، و من شدة استغراب خالد، دخل ليستفسر أخته، فوجدها مستلقية تبكي، فربت على كتفها و سأل قائلا:
_"لماذا تبكين؟ و لماذا دخلت مسرعة هكذا عندما رأيتِ مصطفى؟ ليس من عادتكِ أن تتصرفي هكذا"
مسحت فاطمة دموعها، و قامت فعانقت شقيقها قائلة:
_"لقد راودتني ذكريات أبي فقط يا عزيزي"
اقترب موعد الغروب، و اقترب معه موعد عودة السيدة خديجة و ابنها حسن، و خالد ينتظر على أحر من الجمر عودتهما، بينما كانت فاطمة غارقة في تفكيرها و أساها، كان واضحا على محياها الحزن الشديد، تجلس بالقرب من أخيها الذي ما زال يقوم بواجباته الدراسية، و من حين لآخر يرفع رأسه ليلقي نظرة إلى أبعد نقطة يصل إليها بصره، باحثا عن امرأة و ولد يسيران في اتجاه المنزل.عندما سئم الانتظار، سأل شقيقته:
_"لماذا لم يأتيا بعد يا أختي؟"
ترد فاطمة بعد أن جففت عينيها من الدموع:
_"لا تقلق سوف يصلان قريبا"
لقد كان جوا موحشا بالنسبة لفاطمة، كما لم يكن موحشا من قبل، تزداد المحن التي تواجهها، و تقسو عواصف القدر في طرحها أرضا، و تزداد الدنيا سوادا في عينيها اللتان تنزفان من شدة الطعنات النفسية التي تعرضت لها.و ما هي إلا دقائق حتى ظهرت الأم و ولدها محملين بعلب جمة و أكياس تبدو ثقيلة، يسيران ببطء في طريقهما مقبلين على المنزل، و ما إن لمحهما خالد حتى ترك ما بين يديه من كتب و كراسات، و أسرع يستقبلهما جاريا في اتجاههما، دنا منهما و عانق والدته بقوة، وبالمثل فعل مع أخيه، ثم ساعدهما في حمل البضائع، و وقفت فاطمة كذلك لاستقبالهما، و قد رسمت شفتها ابتسامة لم تخفي ملامح الحزن التي طغت على وجهها، عانقت بدورها أمها، هذه الأخيرة التي لاحظت الجرح على رقبة ابنتها و سالت بنبرة قلقة:
_"ما سبب هذا الجرح على رقبتك؟"
فلم تتردد فاطمة في الإجابة عن السؤال باكية:
_"هاجمتني بعض الكلاب الشاردة و أنا في طريق عودتي من المنبع هذا الصباح..كادت تقتلني"
_"ماذا؟هاجمتكِ كلاب شاردة؟ ألم تصابي بأذى؟"تقول الأم بهلع.
فتجيب فاطمة نافية، ثم سكتت و أخذت تمسح دموعها، بينما تقدم حسن و عانقها، هو الذي لاحظ أن شقيقته ترتعش، سألها بدوره:
_"لماذا ترتعشين هكذا؟هل من خطب ما؟"
_"لا.. أنا بخير"
_"الحمد لله أنها لم تصبكِ بأذى كبير كما قالت أمي"
و هرع الجميع إلى داخل المنزل، و علامات الشك تحيط بحسن الذي لم يستسغ ما حصل لفاطمة.
    بعد أن جلس أفراد الأسرة، أخذ خالد يطرح الأسئلة على والدته:
_"كيف كانت زيارتكما للمدينة يا أمي؟"
_"الحمد لله، لقد وفقنا الله في مهمتنا، لم تواجهنا صعوبات كبيرة كما توقعنا"
_"كيف تبدو المدينة يا أمي؟أهي جميلة حقا؟"
_"ليس بالقدر الكافي لتكون أجمل من قريتنا، فأينما ذهبت لا تجد سوى دخان السيارات و الشاحنات التي تملأ الشوارع ضجيجا، زد على ذلك النفايات التي تنال من جنبات الطرقات، تجدها هنا، و تجدها هناك، تجدها أينما ذهبت".
_"أود أرى ذلك يا أمي".
_"حسنا، في المرة المقبلة سترافقني أنت بدلا من حسن، أ أنت راض الآن؟"
فطأطأ خالد برأسه موافقا و مبتسما كعادته، بينما كان حسن يتأمل وجه أخته الشاحب، لم تكن تشاركهم الحديث،حاضرة الجسد، غائبة الفكر، ليس من عادتها أن تسرح بخيالها هكذا، تُرى هل تسير معها الأمور بخير؟ هذا هو السؤال الذي كان يشغل بال حسن و هو جالس متعب يحتسي الشاي و يراقب تصرفاتها عن كثب، فيشاهد القلق باديا على محياها، بل الأكثر من ذلك، عينيها، اللتين لبستا اللون الأحمر،تشيران إلى الإرهاق الذي أصابها من كثرة البكاء، فيتسلل الشك إلى أعماقه، و تتقاطر الأسئلة على ذهنه، فبدا له أن الجرح الذي على رقبتها يخفي وراءه حدثا مريبا...(يتبع)

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ الجريمة النكراء 2

3:50 م
law-kana-lfaqro-rajola-laqataltoh-16
...تفجرت الدموع على خدي فاطمة و بدأت تترجاه قائلة:
_"أرجوك يا مصطفى، أرجوك، أستحلفك بأغلى ما تملك أن تتركني و شأني، أرجوك فأنت لست من أولئك المراهقين الطائشين،..أرجوك يا مصطفى، سأدين لك بخدمة إن تركتني و شأني..أرجوووك.."
و بنبرة متعجرفة رد مصطفى قائلا:
_"أن أترككِ و شأنك..ها ها ها، كنت أتحين هذه الفرصة الذهبية منذ مدة و الآن عندما حصلت عليكِ بين يدي، تطلبين مني أن أخلي سراحكِ بهذه السهولة..هه..اسمعي إن نطقت بكلمة واحدة سأغرس هذا السكين في عنقك و أرتوي من دمائكِ، أسمعتي؟"
و ازدادت دموع فاطمة التي أخذت تذرفها في صمت و خوف شديدين، بينما انهمك هذا المجرم في تمزيق ثيابها ببشاعة و دون أي تردد، فأطلقت الفتاة المسكينة صرخة ضعيفة تعبر بها عن عجزها و ضعفها أمام رغبة هذا الذئب، فأمسك المراهق المجنون السكين و ضغط بقوة هذه المرة على عنقها إلى أن أحدث جرحا طفيفا هناك، و قال بغلظة:
_"إن صرخت مرة ثانية، فلن أرحمك هذه المرة..الزمي الصمت"
ثم أخذ ينهي ما بدأه بوقاحة أكبر، فمزق ثيابها الخارجية دون أن يظهر أية علامة رحمة أمام الدموع المنهمرة على خدي فاطمة، و شرع يقبلها هنا و هناك، دون أن يكثرت لها و لشبابها و لشرفها اللذين سيضيعان، و لا حتى أن يحترم كونها أحد جيرانه، فبدا كمن يلتهم لحم أخته و هي حية، و هي لا تظهر أية مقاومة، و استسلمت لشراهة هذا المتعجرف الذي لم يكبح بعد جماح هجومه الظالم، فاغتصبها و نزع منها أعز ما تملك، لطخ شرفها و ضرب به عرض الحائط، مستعملا القوة و التهديد، و البقية لا تصلح فعلا لأن توصف.و بعد أن أحس هذا المتغطرس بإشباع غريزته القذرة، قال لضحيته و هو واثق من نفسه يلوح بسكينه:
_"سأجعلك تندمين كثيرا إذا علم أحدهم بما جرى بيننا، و اعلمي أن عقابي سيكون قاسيا إذا ما فعلتِ و لن أتردد في قتلكِ إن اضطررت لذلك، فاحذري كل الحذر"
بعد أن تمتم بهذه الكلمات، وثب و ثبتين أو ثلاث، ثم أسرع في خطواته إلى أن اختفى بين الأشجار، تاركا فريسته في مكانها تتألم، و كأن سبعا قد نهشها و أخذ منها ما يريد ثم جعل الذباب يحوم حولها و توارى عن الأنظار دون أن يلتفت لها.بسطت قدميها و غطتهما ثم غطت بثيابها الممزقة ما استطاعت من عورتها، و بدأت تلتقط أنفاسها و عينيها لا تتوقفان عن ضخ المزيد من الدموع التي بللت صدرها و خديها، و كانت تطلق من حين لآخر أنينا متألما، لقد كان ذلك المتوحش يدفعها بعنف نحو الشجرة التي خلفها فيؤلمها بشدة، و لا شك أنها ستجد بعض الجروح الخفيفة في ظهرها.بعد أن أحست أنها مستعدة للوقوف و المشي نهضت و بصعوبة، بعد نصف ساعة تقريبا ذاقت فيها طعم المرارة حقا من قبل إنسان كان بالنسبة لها وقحا و طائشا، لكنها لم تتصور يوما أن تصل به الوقاحة لارتكاب هذه الجريمة في حقها، نهضت و بدأت تجاهد نفسها لكي تسير و تسرع للوصول إلى البيت، راجية الله أن لا يراها أحد في هذه الحالة المزرية، فقد كانت تثبت قدميها على الأرض بمشقة النفس، و تحاول أن لا تسمح للدموع بأن تهزمها، متشبثة بملابسها التي مُزقت أغلبيتها.و هي هكذا نصف عارية و منهكة، استمرت في طريقها و هاهي كادت تصل، ليس بينها و بين عتبة المنزل إلا أمتار قليلة، و ها هو خالد قد خرج و علامات القلق بادية على وجهه، عندما لمحها لأول وهلة، أسرع لمساعدتها، أما فاطمة لما رأته يسرع نحوها، ارتمت على الأرض مغشي عليها من شدة التعب، و قد حمدت الله لأن أحدا لم يرها و هي عائدة، بينما كان خالد قد صرخ قائلا:
_"فاطمة، أختي، ماذا بك؟"
فقالت محاولة التهدئة من روعه و آثار الدموع جعلت عينيها محمرتين:
_"لا تقلق، أنا بخير، لقد هاجمتني بعض الكلاب الضالة فقط، ساعدني يا أخي على الدخول إلى البيت"
فأعانها خالد على السير و هو يحاول أن يجد تفسيرا لما حصل لها.أحضر لها كأس ماء بعد أن جعلها تتمدد و بعد أن وضع وسادة تحت رأسها، ساعدها لكي ترشف ما هي في حاجة إليه من ماء و أعاد وضع رأسها على الوسادة ببطء، ثم قال:
_"ماذا حل بكِ يا أختي؟"
تريثت فاطمة لتلتقط أنفاسها قبل أن ترد على سؤاله قائلة:
_"بينما كنت عائدة من المنبع..، هاجمتني بعض الكلاب الشاردة، التي أخذت تقفز من هنا و هناك..و تهاجمني..فمزقت ثيابي كما ترى، بل و حطمت الآنية التي أحضرت فيها الماء..لقد هاجمتني من دون رحمة..، و رحت أدافع عن نفسي..إلى أن ركلتهم واحدا تلو الآخر..ثم ابتعدوا و تركوني على هذه الحالة المزرية، لم أستطع الوصول إلى هنا إلا بصعوبة"
و ما كادت تنهي قصتها الملفقة هذه حتى انفجرت باكية، فحاول أخوها تهدئتها، دنا منها و مسح دموعها قائلا:
_"لم تبكين الآن، احمدي الله لأنك لم تصابي بأذى كبير،سوف تكونين على ما يرام"
ثم قبل جبينها و رسمت شفتاه ابتسامة عذبة خففت من روع أخته التي بدأت تهدأ، لكنها تحس بآلام في عدة مناطق من جسدها. و بعد أن نالت فاطمة قسطا من الراحة، أرادت أن تأخذ حماما تطهر به نفسها، أعانها شقيقها على السير، و رافقها إلى الحمام ثم تركها تستحم لعلها تصبح بحال جيدة و أسرع بعد ذلك ليحمل آنية فخارية أخرى و اتجه نحو المنبع ليجلب بعض الماء.
أخذت فاطمة تصب الماء من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها و دموعها لا تقل صبيبا عن المياه التي تسري فوق جسدها، و عقلها يستحضر تلك الصور التي لن تنسى لوحش غلبه هواه، فلم يجد غير هذه المسكينة ليسلبها أنوثتها.كانت كل صورة تستحضرها تؤلمها كثيرا، و تقف أمامها كشبح مرعب يخيفها و يجعلها تحس بأنها على وشك الموت.فاطمة فتاة جذابة و جميلة فعلا، لكن هل هذه أسباب تجعل الآخرين يطمعون فيها و يقتلون حياتها؟، هذا الذئب الذي غرس مخالبه في جسد هذه الشابة لن يجد من يعاقبه في ظل احتفاظها بما وقع سرا، لكن حياتها ستصبح جحيما، و لن تقدر على تحمل العواقب...(يتبع)

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ الجريمة النكراء 1

1:07 م

لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-15
...وصلا إلى هناك و كانت الحافلة الوحيدة تنتظر، و في وقت وجيز بدأت تتأهب للانطلاق، لقد امتلأت بالركاب، بل و أصبحت مزدحمة بهم، على وجوههم نظرات قلق و خوف و اضطراب، تجعل الناظر إليهم يلمس معاناتهم، فأغلبهم ليسوا متوجهين إلى المدينة بغرض الاستجمام، و إنما تقودهم إليها الحاجة و الرغبة في إتمام مهمة أو قضاء مصلحة.ثم انطلقت الحافلة على الطريق الترابي الذي يربط هذه القرية بالقرى المجاورة و بالمدينة، و يعتبر طريقا وعرا بمسالكه و منعطفاته الصعبة بالإضافة إلى ضيقه و امتلائه بالحفر التي لا تكاد تنتهي، فترى أجسام الركاب تهتز على طول الطريق، و الحافلة التي انبعثت فيها روائح القيء لا تكاد تطيق الجلوس داخلها.
 ..طُرق باب منزل السيدة خديجة، و هاهي فاطمة ترد:
_"من الطارق؟"
_"إنه أنا يا ابنتي.. أنا جدك"
فتسرع فاطمة و تفتح الباب قائلة:
_"أهلا بك يا جدي، تفضل، ادخل"
_"كيف الحال يا ابنتي؟"
_"الحمد لله و أنت يا جدي؟ما أخبارك؟"
_"الحمد لله و الشكر لله على كل الأحوال، أمك أليست هنا؟رأيت الدكان مقفلا؟"
_"إنها غير موجودة يا جدي، لقد توجهت رفقة حسن إلى المدينة لجلب البضاعة للدكان"
_"بهذه السرعة؟، لم أكن أظن أنها ستذهب اليوم و إلا فكنت لأرافقها بدلا من حسن، فهي لم تخبرني بالأمر..إنها متسرعة دوما كعادتها"
_"لا عليك يا جدي، أنت تعرف أنها لا تود إزعاجك و إتعابك معها"
_"إذا لم أقف بجانبها الآن و هي في محنة، فمتى سأفعل ذلك؟"
_"لقد فعلت ما عليك فعله..لا تقلق بشأنها يا جدي إنها تعرف ما تفعل"
_"سنرى ذلك، نصحتها بأن تترك الدكان و تبيعه لكنها رفضت، و العواقب ستتحملها هي..المهم،متى سيعودان؟"
_"قالت والدتي أنهما سيعودان في المساء.تفضل بالجلوس يا جدي بينما أعد لك الشاي"
_"لا لا يا ابنتي، أتيت فقط لأطمئن عليكم، أين خالد؟أليس اليوم يوم عطلة؟"
_"لقد خرج قبل قليل ليلعب رفقة أصحابه"
_"حسنا، ألن تحتاجوا شيئا؟"
_"لا شكرا يا جدي، لا نحتاج شيئا، أطال الله في عمرك"
_"إذن، إلى اللقاء يا ابنتي و اعتني بخالد و بنفسك"
_"لا حاجة لأن توصي الإنسان بأن يعتني بعينيه..إلى اللقاء يا جدي، رافقتك السلامة"
فيخرج السيد عبد الله و يترك منزل ابنته متجها إلى الحقل، و في خاطره تجول عبارات اللوم و العتاب اتجاه السيد ة خديجة لأنها لم تخبره بأنها ستتوجه إلى المدينة اليوم، فهو عارف بالمدينة و بمخاطرها، و عالم بصعوبة المهمة على ابنته خصوصا و أنها لم تلج المدرسة يوما، و لا تجربة لها في ميدان التجارة و هذه أول مرة تتجه فيها نحو المدينة لجلب السلع إلى الدكان، و حتى و إن رافقها حسن، فهو مثلها لن يقدر على إفادتها كثيرا بحكم صغره.فتمتم بحسرة:
_"كان الله في عونها و عون أولادها"
    عند الظهيرة، بينما الشمس تتفنن في إرسال أشعتها الذهبية و حرارتها التي بدأت تلج سوق الارتفاع و السخونة، نادت فاطمة أخاها الصغير قائلة:
_"خالد، أقبل عليّ أنا هنا بالمطبخ"
فنهض خالد من مكانه أمام المنزل، الذي لم يبارحه منذ ساعة يراجع دروسه، مستجيبا لنداء أخته، يرسل خطواته مسرعا، ثم يقف بباب المطبخ مستفسرا:
_"ماذا هناك يا أختي؟هل من خطب ما؟"
_"نعم،سوف أذهب إلى المنبع لأحضر ماء يكفينا لبقية اليوم، لا تبارح مكانك، سأعود بسرعة لكي نتناول طعام الغذاء، ألا تحس بالجوع؟"
_"نعم، عصافير بطني تزقزق، لكن دعيني أرافقك إلى هناك"
_"لا حاجة لذلك، ابق أنت هنا و أكمل واجباتك الدراسية و اعتن بنفسك إلى أن أعود اتفقنا؟"
_"لا مشكلة" يرد خالد مبتسما.
فتبتسم فاطمة هي الأخرى و تضمه إلى صدرها ثم تطبع قبلة على خده، إنها تحس بالمسؤولية اتجاهه في غياب الأم، لكن ما يطمئنها هو كونه ولدا نجيبا رغم صغر سنه.فتحمل آنية فخارية على كتفها و تتقدم نحو المخرج قائلة:
_"سوف أعود بسرعة، لا بد أن الجوع فعل بك فعلته"
فتدير رأسها نحو الخلف لتجد الطفل ينظر إليها بعينين مملوءتين حبا و ودا، و قد رسمت شفتيه ابتسامة عذبة، يرد بها على كلام أخته بالموافقة، فتكمل فاطمة السير و قلبها مسرور لكونها شقيقة لهذا الطفل اللطيف و المهذب من جهة، و من جهة أخرى فقد كانت هذه أول مرة ترى فيها الابتسامة تعود من جديد لتزخرف وجه أخيها منذ أن توفي والدها، و لشدة تأثرها مسحت بيدها دمعة تدفقت و هي لا تعلم أ هي بطعم الحزن أم بطعم الفرح.
    سارت في الطريق إلى جانب البحيرة ثم عبرت قنطرة صغيرة أقامها سكان القرية كانت تعلو المجرى المائي، ثم اندفعت بعد ذلك وسط الأشجار و النباتات الخضراء في جو تملئه زقزقة العصافير و خرير المياه و حفيف الأشجار بهجة و نشوة، تتبع الخطوة الأخرى و ذهنها شارد لا تعير أيما انتباه لما حولها من جمال و إبداع للخالق يعكسه اللون الأخضر الذي يحيط بالمكان و وفرة الظلال التي تخفي بقدرتها حرارة الشمس و تجعل الجسم يذب حركة و نشاطا، زد على ذلك منظر الجبال الشامخة التي تكسو قممها أثواب بيضاء من الثلوج الناصعة، إنها  لوحة أبدع البارئ في رسمها و تشكيلها بألوان لا مثيل لها على ورق الطبيعة الخلابة، فيا حسرة من سرقت منه نعمة النظر.وصلت إلى المنبع الذي يخلو من أحد، تتدفق منه مياه رقراقة تجري في مجاري تحملها إلى البحيرة حيث تصب.ملأت الآنية الفخارية و حملتها فوق كتفها بمشقة هذه المرة، ثم سارت بخطوات متثاقلة نتيجة الوزن الزائد للماء، و عادت أدراجها و الأفكار تثقل هي الأخرى دماغها و تلقي بستارة سوداء أمام عينيها و تمنعها من التمتع بما حولها من مناظر، إنها تشغل بالها بأحوال الأسرة و مستقبلها و هي لم تضمد بعد جراح فقدان إنسان من بين الأعزاء على قلبها.تحاول الإسراع ما في إمكانها لتعود إلى البيت، مقتفية آثار الأقدام التي طبعتها على الأرض عندما مرت من هناك عندما كانت آتية، و فيما هي كذلك تتقدم بأسرع ما يمكن، أحست فجأة بيد تجرها و تسحبها بقوة إلى جانب الطريق بين الأشجار، و يد أخرى تطبق على فمها، و لشدة هلعها أسقطت الآنية الطينية فتكسرت و اندثرت القطع الفخارية المزخرفة هنا و هناك و قطرات الماء تتطاير و تتسابق للوصول إلى أبعد حد من مكان تكسر الوعاء على جنبات المسار الترابي، سُحبت الفتاة بعنف و هي لا تدري من هو ذلك الشخص الذي استمر في جرها واضعا إحدى يديه على فمها و هي تطلق صرخات لا تكاد تصل إلى طبلة أذنيها إلا في شكل أنين لم و لن يجدي نفعا.أبعدها ذلك الشخص مسافة مطمئنة له عن جانب الطريق وسط الأشجار لكي لا يسمعها أحد، وقتها أسندها إلى شجرة قريبة متدلية باسقة الظلال، ثم جعلها تستدير و تقابل وجهه، و بنظرة خوف و هلع ممزوجة بالتفاجئ، أدركت أنه ابن جارها: إنه مصطفى، الولد الطائش في نظرها، لكنه رغم ذلك كان يبدي لها احتراما فائقا كلما مر بجانبها، إذ يلقي عليها التحية بلطف و لا يجرؤ على النظر في وجهها. بعد ما قام به، أخرج سكينا حادا بدا لفاطمة أكبر من طوله الحقيقي من شدة خوفها، و وضع طرفه الحاد على عنقها ثم أزال كفه محررا فمها، و أخذ يتأمل وجهها بإعجاب، بينما هي ترتعش و تراقب حركات السكين التي كان يلوح بها مهددا، فتمتمت بصعوبة:
_"ماذا تريد يا..مص..طفى؟ أبعد..أبعد السك..السكين عني"
صمت الولد الطائش لبرهة، ثم قال:
_"أريدكِ أنتِ، أريد أن أروي عطشي منكِ، لطالما مررت بجانبي و تأملتكِ بشغف، فليست هنالك فتاة بمثل جمالك في القرية كلها"...(يتبع)

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ بداية المشوار


لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-14
اتجهت مباشرة إلى الدكان، و أكملت عملية التنظيف و الترتيب التي بدأتها صباحا، ثم جلست تنتظر الزبائن الذين كانوا يسألون فلا يجدون، فكثيرة هي السلع الناقصة. بعد أن ارتخت الظلال، و سلكت الشمس مسلكها الذي يؤدي إلى ما وراء الجبال، حضر السيد عبد الله إلى الدكان، في زيارة كانت متوقعة من السيدة خديجة. رحبت به و دعته ليجلس ثم جلست هي الأخرى على صندوق خشبي قديم، أحنت رأسها و أطبقت شفتيها ممتنعة عن الكلام منتظرة المبادرة من والدها الذي قال:
_"هذا الدكان صغير جدا، كما أنه رث و قديم أيضا"
_"الحمد لله على كل حال، فهنالك من يتمنى أن يملك مثله ولا يستطع"
_"أنتِ تستطيعين أن تملكي أكثر"
_"ماذا تقصد يا أبي؟"
_"أقصد أنه يمكنك بيع الدكان و سأعينك لشراء حقل تعتمدين عليه من أجل كسب الرزق"
_"عدت ثانية إلى هذا الموضوع يا أبي؟ هذه الفكرة لا تعجبني"
_"أتظنين أن ستربحين من عملك في هذا الدكان؟"
_"نعم يا أبي، بشرط العمل الجاد"
_"لكنني أخاف عليكِ يا ابنتي، فهذه الأعمال من اختصاص الرجال"
_"ما من مستحيل يا أبي، سأعمل جاهدة لتحقيق ما حققه الرجال"
_"أرجو أن تبقي متفائلة هكذا"
_"رؤية نور في العتمة و الإيمان به أفضل من رؤيته و عدم تصديقه..،أعني أن نبقى متفائلين رغم كل المصاعب، فالتشاؤم يطيح من معنويات الشخص و يعيقه"
_"حسنا..."
ثم يضع الأب يده في جيب جلبابه و يُخرج منه بضع ورقات نقدية و يسترسل:
_"خذي هذه، إنها بعض النقود يمكنكي أن تحلي بها أزمتكِ إلى حين أن تُيَسّر الأمور"
تمسك السيدة خديجة بالنقود و تتأملها غير مصدقة، إنها لمفاجأة سارة حقا، نهضت بسرعة و قبلت يد و رأس والدها، و شكل فمها ابتسامة زخرفت وجهها، هي الأولى لها منذ أن توفي زوجها.
انقضى النهار و حل الليل، و كانت السيدة خديجة في طريقها إلى بيتها، و قد أتعبها التفكير في بؤس حال الدكان، عازمة على إنعاشه من جديد بتزويده بسلع أخرى غدا، و هي تتحسس المال الذي اقترضته من والدها، فتشعر برغبة كبيرة في حمل البشرى لأولادها بما في جعبتها.
موعد العشاء في المنزل، كالعادة خبز وحساء على القائمة، و أفراد الأسرة مجتمعون حول المائدة و التلفاز ينقذ المنزل من دوامة الصمت الرهيب، فقررت الوالدة الآن أن تسعد أولادها بالخبر، فقالت بصوت تغمره السعادة:
_"لقد وجدت غايتي، و اقترضت مبلغا من المال من والدي، يكفي لتغطية بعض حاجيات الدكان"
ردت فاطمة مبتسمة:
_"رائع يا أمي، أنا سعيدة من أجلكِ"
بينما بدت على وجهي الولدين علامات السرور، و أخذ الكل يتأمل الخبر، و الجميع يرى في الأمر نجاحا أوليا حققته الأم، من شأنه أن يشجعها على التقدم، فدبت نشوة الارتياح في أجسادهم، و أخذ حسن يطرح الأسئلة على والدته حول ما ينقص الدكان، و حول المبلغ الذي بحوزتها و موعد ذهابها لإحضار السلع، فأجابت عن أحد الأسئلة قائلة:
_"سأذهب معكَ غدا إلى المدينة، فغدا يوم عطلة، و سنجلب ما نحن بحاجة إليه من سلع للدكان..هل أنت موافق؟"
_"نعم يا أمي، و بكل سرور، فلا بد لي من أن أكون معكِ، خصوصا و أنها المرة الأولى التي ستبتاعين فيها حاجيات الدكان"
_"فلنسأل الله أن يوفقنا و يكون بجانبنا"تقول الأم و قد أحست بحجم المسؤولية على كاهلها، و شعرت بصعوبة المهمة، في حين امتلأت عيني فاطمة بالدموع سائلة الله أن يصلح حال هذه الأسرة الضعيفة.
بعدها عاد الجميع لشرب الحساء، و لوهلة بدا أن خالد لم يعد يشعر برغبة في تناول الطعام، فزيادة على الوجبة التي لا تغري بالأكل، هناك الأحداث الكئيبة التي تمر منها الأسرة، و المشاكل التي تلتف حولها، فماذا عساها تكون نفسية طفل صغير و هو وسط هذه الدوامة، فقالت له السيدة خديجة بعطف:
_"لماذا لا تتناول طعامك يا بني؟ماذا هناك؟"
_"أريد أبي يا أمي، أشتاق إليه، ليته لم يمت، ليته كان معنا الآن"
قالها و قد أذرفت عيناه دمعتين سالتا و هما تتلألئان فوق خديه الحمراوين.
أمسكت به والدته و جعلته يدنو منها و قالت معانقة إياه:
_"لا تقلق يا ولدي، كن على يقين دائم بأنني ما دمت حية أرزق فلن أتخلى عنكم، و سنواجه معا مصاعب الحياة و سنتفوق عليها، لو كان والدك هنا لما أرادك أن تبكي هكذا"
_"لكنني أفتقده يا أمي، إنني أفتقده"
ضمت الأم ولدها إلى صدرها، و ضغطت عليه بقوة فأصدر أنينا وقع على مسامعها كصوت خنجر جرح أوصالها، و جعل حسن و فاطمة يسدلان رأسيهما، فاستنزفت الدموع عيني الوالدة التي وضعت خدها الأيمن على رأس ابنها الذي بلل بدوره صدرها من شدة البكاء، و ما هي إلا ثوان حتى اقتربت فاطمة منهما و أمسكت يد أخيها و أجهشت هي الأخرى بالبكاء بينما ترك حسن صحن الحساء جانبا، و قال بصوت منخفض و الأسى يملأ قلبه:
_"أحس أن أبي يبكي مثلنا الآن"
    في اليوم الموالي، و في الصباح الباكر، أيقظت السيدة خديجة ابنها حسن، و أخذت تعد ما ستحتاجه أثناء تواجدهما في المدينة، لتضمن نجاح بداية حقبة جديدة من حقب حياتها و هي تدخل مجال التجارة من أضيق أبوابه. بعد ذلك انطلق الاثنان بإحساس ممزوج بالقلق و الخوف و التفاؤل و الغبطة، متجهين إلى موقف الحافلات، الذي لا تكاد تجد فيه سوى واحدة أو اثنتين على الأكثر، تنتظر أن تمتلئ بالذين راودتهم أنفسهم بتخطي حدود القرية إلى العالم الآخر، عالم الرخاء و الرفاهية، و يسر العيش و التقدم. المدينة بالنسبة للبعض من سكان هذه القرية رياض من رياض الجنة، و حلم يسعون إلى إدراكه، غير أن البعض الآخر يعتبرونها مكانا يحفل بالمخاطر و المفاجآت غير السارة، يتوجب على من يدخله، في نظرهم، توخي الحذر، بينما موقف السيدة خديجة بين هؤلاء موقف وسطية، فهي تؤمن بكون الحضر ملاذا يمكن أن يلتجئ إليه كل من يبحث عن تحسين أحواله المعيشية، شرط أن يكون عارفا بالمخاطر التي قد تواجهه، و قد بنت رأيها هذا استنادا على ما كان يرويه لها المرحوم زوجها من حكايات واقعية كان هو أحد أبطالها، أو أخرى يرويها له أحد معارفه، و هي في الغالب تحمل في جل مواضيعها المشاكل و الأخطار التي يواجهها القروي في المدينة، و بعض المواقف التي قد تصادفه، كما تحكي عن بعض العجائب و الطرائف التي تحدث هناك، فأبسط الأحداث التي تعتبر عادية عند سكان المدن  و فصلا من فصولها السنوية، قد تبدو خارقة للعادة في نظر هؤلاء الغرباء. في الطريق، تمتمت الأم قائلة:
_"هذه ثاني زيارة لي أطل من خلالها على المدينة..لكنها في أجواء مخالفة تماما"
كانت زيارتها الأولى لها كما قالت تماما:في أجواء مخالفة، إذ أنها أنذاك كانت برفقة زوجها، فبعد زواجهما مباشرة قرر السيد إبراهيم مرافقة زوجته في إلى المدينة لقضاء وقت ممتع فيها و التجول بين طرقاتها و أزقتها و شوارعها، يجوبون أروقتها متأملين جمالها بأعين ملئها اللهفة و العجب و في أجواء مفعمة بالحب و الفرح بين زوجين ما زالا في ريع شبابهما و في بداية مسيرتهما معا في مواجهة محن الحياة التي كانت تبدو أمام أعينهما مزهرة و بلون الورود، غير أنها اليوم رفقة ابنها حسن يتجهان إليها و قلبيهما لا يتسعان بما فيه الكفاية لتحمل مشكل آخر، لكن مع ذلك و في أعماق أعماقهما يوجد بصيص من الأمل يدفعهما لتصور المستقبل في حال أفضل...(يتبع)
 
Copyright © واويزغتــي | فين ما مشيت . Designed by OddThemes | Distributed By Gooyaabi Templates