أخبار

ثقافة و علوم

أخبار محلية

Latest Updates

‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب و روايات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب و روايات. إظهار كافة الرسائل

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ النهاية

10:31 ص
   
law-kana-lfaqro-rajolan-laqataltoh-annihaya
... يوم آخر يمضي، و ما زال خالد على حالته، يرقد في فراشه، شبه ميت، يفتح فمه و عينيه طوال الوقت، دون حراك، و بجانبه والدته التي لم تذق طعم النوم منذ أن توفي حسن، منذ أسبوع، أسبوع ظلت خلاله الأسرة تتألم و تتأسف لرحيل فرع من فروعها، و ما زاد من حدة تألمها هو الحال المزرية التي أصبح عليها خالد، و الذي تعرض و على ما يبدو لشلل دماغي، فأصبح لا يتحرك ، لا يتكلم و لا يأكل، لقد كانت صدمة قوية، لم يقوى هذا الطفل على تحملها.تجلس السيدة خديجة بجانبه لا تفارقه كما لا تفارق الدموع عينيها، و الجد بدوره لا يتزحزح من مكانه، كان على مقربة من ابنته، يحاول تهدئتها كلما اقتضى الأمر ذلك، و غير بعيد منه ألفت فاطمة زاوية من زوايا الغرفة، تجلس و تتأمل شقيقها خالد بأسى و حزن عظيمين، لا تتوقف أبدا عن لوم نفسها و تحميلها مسؤولية ما وقع، لو لم تحكي لحسن قصتها البغيضة لما حصل كل هذا، لما قتل حسن مصطفى و انتحر، و لما كان خالد مستلقيا هنا من دون حراك، جسدا خائرا هربت الحياة منه و تركته يقاسي و يعاني، و تركت أسرته تعاني هي الأخرى، فكادت عيني فاطمة تنضبان، فمصيبتها هذه و العذاب الذي تعيشه الآن هو أهول من العذاب الذي لفها قبل أن تحكي لحسن ما حدث لها مع مصطفى، ولكن في ماذا سوف ينفع الندم؟.
    كانت السيدة خديجة لا تفارق خالدا، تتأمل وجهه فلا يبادلها النظرات، تكلمه فلا يبادلها الكلام، تهمس في أذنه فلا يرد، يرفض أن يبلع طعامه، و تسكب له الماء في فمه فيمر بعضه و البعض الآخر يعود ليرسم مساره على جانبي ثغره و عنقه، و كانت الأم كلما مسحت بمنديلها قطرة عرق تخرج من مسام جبينه، تمسح دمعة أو دمعتين تتدفقان من عينيها اللتين تخفيان كلاما ربما لو نطقت به لنظمت شعرا تغلب عليه لغة الحزن، تنتهي أبياته بقوافي تعزف لحن الحسرة و الألم.
بدت فاطمة متوترة و هي تعد طعام الغداء، لم تعد تقوى على الوقوف، ولم تعد تملك الصبر الكافي لتحمل أيام حياتها التي يبدو أنها تقسو في وجهها، تحس باختناق شديد، كانت مثل الشجرة التي تفقد كل يوم غصنا من أغصانها إلى أن تجتث تماما، فقدت والدها في ظروف مفاجئة، و ها هي تفقد شقيقها و تتسبب للآخر في وعكة صحية، إنها تحمل نفسها مسؤولية ما حصل. كيف سمحت لأخيها بأن يقتل، بل كيف سمحت لنفسها بأن تروي ما جرى لحسن، ذلك اليوم المشئوم، ليتها لزمت الصمت و تحملت عذابها ذلك، فذلك أهون من ما تحس به الآن.أرادت أن تسترجع بعض الذكريات التي قضتها مع حسن، و ذهبت لتتفحص أغراضه الخاصة من كتب و ملابس و دفاتر.كان شهما ودودا، بدأت تستنشق رائحة ملابسه و تضمها إلى صدرها، فهذا جلبابه الصوفي الجميل، و هذا سرواله الأسود المحبب، و ذلك هو القميص الذي اشتراه له والده عندما نال شهادة التعليم الابتدائي، ما زال نظيفا و صالحا، رغم كل السنوات التي مضت، و ها هي كراسته و أدواته التي يداعبها و يجد فرحته و هو يلامسها، اجتهاده و تفوقه ذهبا أدراج الرياح، كان أحد آمال هذه الأسرة ليصلح أحوالها، لكن، تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن.و بينما هي كذلك، تبحث بين أغراضه، وجدت ورقة وسط أحد الكتب، بدا لها أنها  تحوي قصيدة، و مما لا شك فيه أن حسن هو الذي كتبها، إنه خطه بالتأكيد، لكنه لم يخبرها يوما بأنه يحب نظم الشعر،فتأملتها و أخذت تقرأها:
                                حياتي..حياتي بحر********أمواجه دائمة الهيجان
                                سفينتك لن تبحر فيه*******  و لن تبحر فيه سفينة القبطان
                                حياتي كلها فقر و ألم******* جعلتني أعاني و هي تتوعدني بالعذاب
                   حوصرت كل المنافذ و المخارج****** و أغلقت في وجهي كل الأبواب
                      حياتي ليس فيها من يواسيني********  سوى مخيلتي التي تغرقني في الأحلام
                  أحلام شتى تراودني صباح مساء****** و لا تكف عن مداعبتي في منامي
                     حياتي موضوع إنشائي طويل******* كلماته اقتبست من معجم الأحزان
                       كتبه قلم صاحبه عراف  **********يعلم ما في القلب و ما على اللسان
                      يا ربي إنني أدعوك           ********  و أستنجد بك في ليلي و نهاري
                       أن تحقق أمنياتي و رغباتي*********   و تعينني بقدرتك وتطفئ ناري

و ما إن انتهت من تلاوة هذه القصيدة حتى أجهشت بالبكاء، لقد أثرت فيها معاني هذه السطور، و أحست برغبة في الصراخ و المناداة باسم شقيقها المتوفى، إنه بالنسبة إليها الأخ الذي لا مثيل له، كان دائما يقف بجانبها، يواسيها، يحزن لحزنها و يفرح لفرحها، لم تكن بينهما حواجز تعيق التفاهم، أيام جميلة عاشتها معه تحت سقف هذا المنزل رغم قساوة ظروف عيشهم، فقد كان يضفي على البيت جوا حميميا، يصلح بين الوالدين إذا ما اختصما، يحسن معاملة أخيه الصغير و يحترم شقيقته الكبرى، و الأكثر من ذلك، استقامته و حبه لدراسته و لأهل القرية، لن تسامح فاطمة ذلك المذنب الذي نال جزاءه، رغم أنه توفي، إلا أنه حطم حياة هذه الأسرة يوم قرر مهاجمتها و اغتصابها، قضى بذلك على نفسه و على فتى في مقتبل العمر، قتله حسن و قتل نفسه و قتل أحلامه و طموحاته، و دفن معها أحلام عائلة بكاملها. لم تمض إلا أشهر معدودة على وفاة الأب، وهاهو الابن يقرر بنفسه و يختار الموت، و من الضحايا الآخرين، الأخ الأصغر الذي أصيب بمرض شديد ألزمه الفراش، حالته ليست على ما يرام. أحداث رافقت و سترافق وفاة حسن، لن تكون أحداثا سارة بالطبع، لكن الأمل في المستقبل يبقى كبيرا. أما السيدة خديجة فقد اكتفت من هول المصائب، و هاهي بجانب ولدها تسرد بدموعها التي لا تتوقف حكاية ألمها و معاناتها.
    كان صدر خالد يعلو و يهبط بسرعة، و نبضات قلبه تتسارع، أحست الأم بخطورة الوضع، و صرخت في وجه فاطمة لتحضر بعض الماء، و بسرعة جلبت فاطمة الماء و أخذت السيدة خديجة تنثر بضع قطرات على وجهه و تجعله يشرب منه، كان يُسمع لتنفسه صوت قوي، و فجأة أخذ يهز جسده و والدته تحاول تهدئته، بينما امتلأت عينا فاطمة بالدموع، و بدا للحظة أنه هدأ، أمسكت السيدة خديجة بيده و هي تترقب و تنظر في عينيه..بدأ يبطئ تنفسه، أغلق عينيه و ضغط بكفه على يد والدته..،ثم..توقف قلبه عن النبض، و أطلقت السيدة خديجة صرخة مدوية هزت أركان منزل أسرة الحمداني، لقد توفي خالد بدوره، و لحق بشقيقه و والده، إنها مأساة حقيقية.(النهاية)


                                                   

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ الانتقام ( الجزء ما قبل الأخير )


لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-21
...وقع الاسم كقطعة ثلج على مسامع حسن و قال و الترقب باد على محياه:
_"و ماذا فعل؟"
تريثت فاطمة للحظة محاولة السيطرة على دموعها، ثم أردفت:
-"لقد قام بالاعتداء علي بوحشية..توسلت إليه أن يتركني و شأني لكن عبتا كنت أحاول..، صرخت بكل قوتي و لم ينجدني أحد..فاستسلمت لهجومه الوحشي..لن أسامحه على ما فعل..لن أسامحه أبدا"
انشغلت بعد ذلك فاطمة بتجفيف دموعها، بينما كان حسن قد بلغ أوج غضبه، وقف و تسمر في مكانه لسماعه مثل هذا النبإ الصادم، ومن الفاعل؟ الشخص الأكثر كرها على قلبه، فحفرت الكراهية عميقا في جوفه، و ازدادت البغضاء و الحقد اتجاه الفاعل، و تأججت نار الانتقام في صدره، و ختم الشر على بصره، فخرج من الغرفة مسرعا أمام أنظار أخته الباكية التي وجهت الخطاب له  برعب:
_"إلى أين أنت ذاهب؟"
ظل حسن صامتا و لم يجب، دخل إلى المطبخ ثم خرج و مضى في طريقه مسرعا، بينما نهضت فاطمة و لبست نعلها ثم خرجت وراءه مسرعة بدورها و البكاء يلازمها.بدا لها أنه يتجه إلى الينبوع، حاولت اللحاق به، لكنه كان بعيدا لا يصغي لنداءاتها المتكررة، تزداد سرعته خطوة بعد أخرى.كان حسن يتمنى أن يجد مصطفى في المكان الذي رآه فيه بعد عودته من المنبع، كان يقول في نفسه:"لقد تجاوز هذا الحقير حدوده، و هو يحتاج إلى من يعيد رسمها له مجددا"
    لمح حسن ضالته بين أولئك الفتيان الذين لم يبارحوا مكانهم، ما زالوا جالسين يمرحون و يتسلون، و من يدري ، ربما كانوا يخططون لهتكِ عرض فتاة أخرى من فتيات القرية.وقف حسن على مسافة قريبة منهم، و نادى على مصطفى قائلا:
_"مصطفى، تعال إلى هنا أحتاج إلى أن أكلمك على انفراد"
استدار مصطفى ناحيته، و لبى نداءه و علامات الاستفهام تحيط بفكره، هذه أول مرة يطلب فيها حسن من مصطفى أن يكلمه و على انفراد، دنا منه و قال بغلظة:
_"ماذا هناك؟ ماذا تريد؟"
نظر حسن في عيني خصمه البغيض و قال بصوت يلفه الغضب:
_"أنا من يجدر بي أن أسألك مثل هذا السؤال، ماذا تريد منا و من عائلتنا، لقد ارتكبت في حق أختي و في حق شرفنا جريمة لا تغتفر، لست أكثر من مجرم أحمق، صاحب أخلاق متدنية مدمن مخدرات فاشل، دفع بك طيشك لاغتصاب فتاة بريئة، أبله فاسد"
_"و ماذا ستفعل الآن؟ ستخبر والدي بذلك لكي يعاقبني؟"رد مصطفى ساخرا و قهقهته المعتادة تزيده قبحا.
_"ستنال جزاءك أيها المجرم.."
ثم فاجئ حسن عدوه بسكين حادة أخرجها من وراء ظهره..و لم يتردد ولو لوهلة، فغرزها بقوة في بطنه إلى أن تأكد تماما من أنه لن ينجو، و تركه يتمايل متألما قبل أن يسقط أمام أنظار زملاءه من دون حراك، و من بعيد تعالت صرخات فاطمة التي يبدو أنها وصلت متأخرة، اقتربت من شقيقها الذي وقف في مكانه ينظر لما فعلت يداه في ذهول، وتعاقبت على مسامعه أصوات العتاب و اللوم:
_"ماذا فعلتُ؟لا أصدق ذلك، لماذا قتلته؟ لقد غدوتُ مجرما مثله، و لطخت شرفي بدماء الجرم..السجن..العقاب..عائلتي، أحلامي تلاشت، لقد انتهت حياتي، إن بقيت حيا سأجلب العار على أسرتي، أنا مجرم قتلت أحدهم، ربما لو لم أفعل ذلك لكان هنالك حل آخر..،لا،لا..لماذا قتلته؟لماذا؟.."
و انهمرت الدموع من عينيه، تأمل يده الملطخة بالدماء و أخذ يرتعش، نظر ناحية شقيقته التي لم تصدق بدورها ما يجري، و كأنه يودعها، و كأنه يقول لها أنه آسف على كل ما جرى، و بحركة سريعة، أخرج السكين من بطن المقتول و غرزه في بطنه، و ارتمى طريحا على الأرض بجانب ضحيته، بينما دوت صرخة فاطمة، و أعلنت عن فقدان شخص آخر عزيز على قلبها.
و ما هي إلا لحظات حتى كانت ساحة الكارثة غاصة بجموع الناس، و أصوات النحيب و البكاء تملأ المكان، لم تتوقف السيدة خديجة و لا السيدة حليمة عن الصراخ و العويل وسط محاولة من بعض سكان القرية لتهدئتهما، تجثيان لكي تلمسا الضحيتين قبل أن يتم نقلهما إلى مكان آخر، كان مشهدا مرعبا، فتيان راحا ضحيتين لنزوات الشيطان، الأول لم يتمالك جماح غريزته الجنسية، و الثاني قتله دفاعا عن شرف أسرته و انتقاما لما صدر منه من أفعال ظالمة.لقد أثر هذا المشهد في الذين ناداهم الفضول لرؤيته، و لكن من تأثر له بشدة هم إخوة مصطفى الصغار، و خالد الذي وقف في مكانه لا يتحرك، و الدموع تنساب على خديه دون أن يصدر أي صوت، ذكريات كثيرة تلك التي عاشها مع شقيقه حسن، لحظات لن تنسى، لكنها لن تعود لتتكرر من جديد، بدا الذهول مسيطرا عليه، و أحس بأنه غير قادر على الحركة، بينما كانت أخته فاطمة قد جلست متكئة على جذع شجرة قريبة من مكان الحادث، تبكي و تحمل نفسها اللوم لأنها تظن أنها السبب في ما حدث، لكن السبب الحقيقي وراء وقوع ما وقع، هو قضاء الله و قدره.رفعت رأسها و نظرت من حولها، لتلمح والدتها التي تنهش الأرض، تولول، تقف ثم تسقط، وسط استياء عم كل الحاضرين هناك، و على مقربة منها، كان خالد لا يزال منتصبا لا يتحرك و لا يتململ، تمثال خال من كل المشاعر إلا من شعور واحد، الحزن، الحزن لفراق شقيقه الوحيد، و الحزن لأن شقيقه هو من اختار لنفسه الموت بهذه الطريقة.لم يتحمل خالد حجم الكارثة و لا حجم الصدمة، فانهارت قواه، و صعب عليه البقاء طويلا على هذه الحال واقفا في مكانه يصارع عقله الذي لا يريد تصديق ما حدث، فترك جسده يهوي نحو الأرض أمام أنظار شقيقته، و سقط مغشيا عليه، فازدادت حدة العويل و الصراخ...(يتبع)

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ البوح بالسر

لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-20
  ... أسابيع قليلة بعد ذلك، كانت السيدة فتيحة في زيارة للسيدة خديجة في منزلها، طقوس الضيافة المعتادة حاضرة، مائدة تحوي بعض اللوز و إبريق شاي تفوح منه رائحة النعناع العطرة، و حولها السيدة خديجة و جارتها تتجاذبان أطراف الحديث، و صيحات السيدة فتيحة تحدث قرعا في أذني فاطمة التي أخذت مكانها بالقرب من والدتها، تتألم لرؤية والدة ذلك المعتوه تضحك و تمرح في قلب منزل أسرتها، تعرفها جيدا، صيتها ذاع في القرية كلها، الجميع يعلم أنها تتمتع بخصال مميزة، فهي أنانية و قاسية القلب لا تعرف معنى الرحمة، لسانها لا ينطق إلا بما يسيء للناس، و كذلك هو ابنها، يشبهها كثيرا، فالتمر لا يسقط بعيدا عن النخلة.. و ما يزيد الطين بلة، كونها تتحدث عن أولادها بفخر، تمدحهم و تحكي عن محاسنهم التي يبدو أنهم لا يظهرونها إلا أمام والدتهم.كانت فاطمة لا تعير انتباها لما يدور بين السيدتين من حديث، و أكثر ما يحز في نفسها هو أنها سمحت لهذه المرأة بأن تلج البيت، لو علمت ما فعله ولدها الذي تعتز به لما استطاعت أن تري وجهها لأحد، أو ربما لا..كانت لتدافع عنه و تصف متهمه بالكاذب..
_"فاطمة، ما لكِ لا تشاركيننا الحديث؟"تقول السيدة حليمة.
_"أشعر ببعض الدوار يا خالتي" ترد فاطمة.
_"لقد بلغت فاطمة سن الرشد، و ازدادت جمالا و بهاء، إنها تحتاج لزوج الآن ليمتعها بشبابها، أ ليس كذلك يا خديجة؟"
تبتسم السيدة خديجة و تنظر ناحية ابنتها ثم تقول:
_"سأجد لها الزوج المناسب إن شاء الله"
_"لست محظوظة يا صاحبتي، لقد كنت لأختارها زوجة لابني مصطفى، فهو لن يجد أجمل منها في القرية كلها"
فتنهض فاطمة و تترك المجلس دون أن تنطق بكلمة، بينما السيدتين تنظران إليها باستغراب، فتستفسر السيدة حليمة:
_"ما بالها؟هل قلت كلاما في غير محله؟"
_"لا عليكِ، إنها خجولة بطبعها، و الحديث عن الزواج يحرجها"
لا تعلم السيدة فتيحة بأنها جرحت فاطمة بكلامها ذاك، أن يتزوج منها عدوها الأكبر، و الشخص الذي لطخ صفحة حياتها البيضاء بمداد الاغتصاب الأسود، أمر مستحيل أن يقع حتى و إن عزمت السيدة حليمة على خطبتها له فعلا.لن تعرف فاطمة معنى للسعادة بعد ما حصل، حتى و لو عوقب ذلك المجرم، كيف لأحد من سكان هذه القرية أن يقبل بالزواج منها و هي التي فقدت العلامة المميزة لأنوثتها و لصفاء شرفها و حرمتها؟.خرجت من المنزل و أسندت رأسها إلى جذع أحد الأشجار القريبة من المنزل، و همت بالبكاء، صورة اعتدنا أن نرى عليها هذه الفتاة التي تتعذب وسط كتمانها للسر الذي سيجعل حياتها جحيما ما لم تلطف بها الأقدار.
    كانت الأسرة قد أتمت للتو تناول طعام العشاء، و اتجه حسن بعد ذلك ليتمشى بالقرب من البحيرة، بينما بقيت الأم و ابنها خالد و أخته فاطمة يحملقون في شاشة التلفاز من دون أي اهتمام لما يعرض عليها، فخالد لم يعجبه ما تبثه المحطة، و السيدة خديجة تعيد تصفح شريط الأحداث التي مرت اليوم في الدكان، أما فاطمة فلم تخالف عادتها هذه الأيام، غابت شمس السعادة عن أيام حياتها، مزاجها عكر، تجلس شاردة الذهن، كئيبة الملامح، شاحبة الوجه، إن نظرت في عينيها تعرف حجم العذاب الذي تعيشه هذه الفتاة التي ذبلت و هي في ريعان شبابها، فانطفأت الشمعة التي كانت تضيء دربها و تدفعها إلى مواصلة المشوار لتحقيق أحلامها، أحلامها التي لا تتجاوز طموح كل شابة بأن تعيش في حضن رجل يعرف معنى الحياة و السعادة، يحترمها و يحبها و يضعها بين عينيه و يعتني بها، وجدت فجأة أن كل ما تمنته تبخر و أصبح من الخيال، و كل هذا بسبب ولد قبيح المظهر، قبيح السمعة و الخلق.شابة جميلة و متخلقة تجد نفسها ضحية مراهق مخبول قضى على حياته، و أخذ يقضي على حياة الآخرين.
و ما هي إلا دقائق حتى خلد جميع أفراد الأسرة إلى النوم، غير أن حسن لم يراود النعاس بعد جفنيه، و ظل يقظا يسرح بخياله هنا وهناك.ثم، فجأة سمع صوت أنين يصدر عن شقيقته التي تنام في الركن الآخر من الغرفة، صوت يدل على أنها تبكي بصمت، أخذت تبكي و تبكي..،كانت صور ذلك الحادث الأليم تعاود مهاجمة مخيلتها، فتواصل تعذيبها و معاقبتها، و كلام السيدة حليمة عن جمالها و قرب موعد زواجها لا يكف يغيب عن مسامعها، فلم تتألم كما تألمت اليوم، بينما حسن يراقبها بعينيه اللتين امتلأتا بالدموع، فتألم هو الآخر لحالها، لكنه لم يجرؤ على الاقتراب منها و تهدئتها، و لم يستطع أن ينطق بكلمة لمواساتها و سؤالها عن السبب وراء بكاءها، فظل يراقب المشهد دون أن يصدر أية حركة.
    حل صباح اليوم الموالي، نفس النظام يحكم تحركات أفراد الأسرة، الوالدة و خالد في الدكان، فاطمة رفقة أعمالها المنزلية المعتادة، و حسن الذي اختار أن يعيد تصفح بعضا من كتبه القديمة، و هو يتحين الفرصة المناسبة لكي يسأل أخته عن السبب وراء كثرة بكاءها ليلة أمس، فقد أحس بأنه سيضايقها إن لم يختر الوقت المناسب لعرض الموضوع عليها، خصوصا و أنها بدت مضطربة أكثر هذا الصباح، و بدا كذلك أنها لم تذق طعم النوم.
انتصف النهار، ثم، سرعان ما اقترب موعد أذان صلاة العصر، و الساعة تشير إلى الرابعة و بضع دقائق، توجه حسن على الينبوع ليجلب بعض الماء، و هو في طريقه إلى هناك، تائه بين الأفكار و الذكريات و الأسئلة التي تداعب مخيلته، أبصر على مقربة من الطريق بعض الفتيان الذين كانوا يتسامرون و يمضون الوقت في لعب الورق، بل و إن البعض منهم كانوا يدخنون، و قد كان بينهم ابن الجار، مصطفى، لمحه حسن و هو يمسك بالسيجارة بين سبابته و وسطاه، ثم استدار مصطفى بدوره فوقع بصره على وجه حسن، و أطلق قهقهة غير عادية، بينما أكمل حسن طريقه نحو الينبوع دون أن يلتفت مرة أخرى نحوهم.عندما أخبره مصطفى عن وفاة والده دون أن يكلف نفسه حتى عناء تعزيته و مواساته بلطف، بل أعلمه بالأمر معبرا عن فرحه بابتسامته القبيحة، ذكرى سيئة لن تُمحى من الأرشيف الأسود لحسن، دفعته بأن يشعر بالكراهية و البغضاء تجاه هذا الشخص القاتل للمشاعر، و لربما ازداد كرها له لو علم بما فعله بشقيقته.
عاد بعد ذلك إلى المنزل محملا ببضع لترات من الماء، و بينما كان يهم بنزع حذاءه، رأى أن شقيقته فاطمة، التي كانت جالسة تشاهد ما يعرض على شاشة التلفاز، تمسح بسرعة آثار الدموع البادية على وجهها، فتوجه للجلوس بجانبها، و جثا على ركبتيه، ثم نظر في عينيها و قال:
_"لماذا أنت كثيرة البكاء هذه الأيام يا أختي؟ سمعتكِ ليلة أمس تبكين بشدة، و ها أنا ذا أرى بوضوح آثار الدموع على وجنتيكِ.. ماذا حل بكِ؟"
لم تستطع فاطمة أن تجيب عن سؤال شقيقها، بل و انهمرت الدموع من عينيها مرة أخرى، فأمسك حسن بيدها اليمنى بكلتا يديه و ضغط عليها بشدة، ثم واصل خطابه قائلا:
_"هل هناك شيء ما تخفينه عني يا فاطمة؟ لا تترددي في إخباري بالأمر، لم يكن و لن يكون بيننا ستار يحجب أحدنا عن الآخر، لطالما كنت أحكي لكِ عن مشاكلي حتى و إن كانت صغيرة، و هذا كان منذ نعومة أظافري، لا تترددي في مشاركتي كل همومك و إخباري بشكاياتكِ و مشاكلكِ"
أجابت فاطمة وهي تغالب الدموع:
_"لقد سبق و أخبرتك يا أخي..،إنها الحال المزرية التي نعيشها، و المصائب التي توالت علينا .."
قاطعها حسن قائلا:
_"لا يا فاطمة، إنني أحس بأنك تخفين الحقيقة عني، لم أركِ في حياتي تحزنين كل هذه المدة..، أتوسل إليكِ يا فاطمة أن تخبزيني بما يقلقكِ، أرجوكِ يا أختي، أنا أرى أن عينيكِ تقولان العكس..لا تكذبي علي يا أختي أرجوكِ"
ازدادت دموع فاطمة غزارة، و تيقن حسن أنها تخفي عنه أمرا ما، فوضع كفيه على كتفيها و قال بصوت حنون
_"هيا يا فاطمة، أخوكِ يستمع إليكِ، و مستعد لمساعدتكِ، و أعدكِ أنه إن كان أمرا سريا فسوف أبقيه طي الكتمان"
أحست فاطمة بأنها يجب أن تخبر شقيقها بما جرى، لعلها تجد فيه الشخص الذي سيعينها لتجاوز محنتها، فقد كان أخوها دائما عند حسن ظنها، فمسحت دموعها و أخذت نفسا عميقا قبل أن تقول:
_"كان ذلك عندما ذهبتَ رفقة والدتي إلى المدينة لتتبضعوا من أجل الدكان، خرجت متوجهة إلى الينبوع من أجل إحضار بعض الماء، و عندما كنت في طريق العودة...،هاجمني..مص..، هاجمني مصطفى..، مصطفى ابن السيد محمد.."...(يتبع)


رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ عناد فاطمة

لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-19
عندما بدأ الجو يتلطف بحلول المساء، و بعد يوم كان حارا للغاية، عادت السيدة خديجة من الدكان رفقة خالد مبكرا، كانا يسيران في اتجاه المنزل بخطوات سريعة نوعا ما، و على وجهيهما علامات الفرح و السعادة، و كان خالد الأكثر تحمسا للوصول إلى المنزل، و ذلك من أجل إخبار أخيه حسن بنتيجته الدراسية، حيث كان يحمل في يده ورقتي نتائجه و نتائج أخيه، و ابتسامته البريئة تبشر خيرا، فقد نجح الاثنان، و بحصيلة ممتازة كالعادة.و ما هي إلا لحظات حتى كان حسن يتأمل بيان نتائجه الدراسية بفخر، و بيان نتائجه الدراسية بفخر، و بيان نتائج شقيقه بفخر أكبر، أما فاطمة، فقد كانت هذه أول مرة، و منذ وقت طويل، تُظهر ابتسامتها العذبة بياض أسنانها الناصع، تتفحص هي الأخرى حصيلة أخويها الدراسية و البهجة تغمر قلبها و تزيل سحابة القلق التي احتلته لمدة ليست بالقليلة، لقد كان هذا الخبر يستحق فعلا أن يُعجّل بنقله إلى مسامع باقي أفراد الأسرة، فقد كان أول خبر يضفي على البيت نوعا من البهجة منذ أن توفي السيد إبراهيم، و لعل ما يدل على ذلك، عيني السيدة خديجة اللتان امتلأتا بالدموع فخرا و اعتزازا، و العبارة التالية تتردد في خاطرها:
_"ليت المرحوم كان هنا معنا ليرى بعينيه ماذا يصنع ولداه.."
بعد ذلك، اتجه حسن إلى البحيرة، إنها مناسبة لتخليد ذكرى الوالد، ذهب و جلس في المكان الذي كان مفضلا لدى السيد إبراهيم، و أخذت ذاكرته تسترجع بعض الصور و الذكريات المفرحة و المحزنة.تغلغلت الدموع في عينيه عندما تذكر ما كان ينصحه به أبوه.كان كلما أتيحت له الفرصة يذكر ولديه بأهمية الدراسة و أهمية التفوق، و كان يرشدهما من أجل الوصول إلى المبتغى الذي هو إخراج هذه الأسرة من ظلمات الفقر و أعاصيره التي يتخبط في دواماتها كل أفراد هذه الأسرة، و ها هو اليوم، عازم على أن ينفذ وصية والده، رغم كل الصعوبات و التحديات، يتعهد و يحمل على عاتقه مسؤولية تحقيق أحلامه و أحلام عائلته، يحلم بذلك اليوم الذي سيكون قد وصل فيه بهم إلى بر الأمان، و لكن ما يؤلمه الآن هو عدم تواجد كبير الأسرة معهم، لكي يفرح و يسعد هو الآخر بالنتيجة التي حصل عليها ابنيه، يتخيله يمسك ببيان النتائج و هو يراقب نقط جميع المواد الدراسية التي تفوق فيها ابنه برضا كبير، فرسمت دمعة طريقها على خد حسن، و رفع رأسه ليتأمل السماء الزرقاء، و يقسم بأنه سيحلق عاليا كما يفعل ذلك الطائر هناك، و سوف يبني مجده و مجد عائلته الغالية، قائلا بصوت خافت كله عزيمة و إصرار:
_"لن أنساك يا أبي يوما، و سأعمل على تحقيق ما لم تحققه حتما".
ثم هم بالعودة، فقد حل الظلام، و بدا القمر عاليا يعكس ضوء الشمس ليجعله في أبهى صورة و هو يسقط على سطح مياه البحيرة، في هذه الليلة الغراء التي حملت لمنزل السيدة خديجة خبرا اطمأنت له النفوس و انشرحت الصدور لسماعه، كوب ماء أخمد تلك النيران التي كانت تلتهم حياة هذه الأسرة. و في طريق عودته، كان حسن يتثاقل في مشيته، و هو يحاول تصور حاله و حال عائلته بعد سنوات من الآن، هل سيتمكن من الوصول إلى مبتغاه؟ سؤال صعب، لكن طريقة الإجابة عنه سهلة، فهو متعلق باجتهاده و جده و تعبه، و وقوفه ندا في وجه المشاكل و المصاعب و كذا أولئك الذين يحسدونه و يكرهونه، و في مقدمتهم كما يعتقد حسن، مصطفى ابن الجار، فتلك الكلمات التي قالها إبان وفاة السيد إبراهيم، لن تُمحى من ذاكرته، و لعل حسن سيزداد كرها لهذا الفتى إذا ما علم بما فعله بأخته فاطمة، و لربما نزع حينها رداء الاحترام و اللباقة، و اضطُر لاستعمال أسلوب آخر.وصل حسن إلى البيت حيث وجد الباقين قد أعدوا عشاء غير عادي، و الجد هناك، يشارك الأسرة فرحتها بنتائج الولدين.
في صباح اليوم التالي، كان الجميع قد عاد لنشاطه المعتاد، الأم في الدكان، يتناوب الابنان على مساعدتها، و فاطمة منشغلة بالأعباء المنزلية، و قد عادت غيمة الكرب، التي انقشعت لبعض الوقت و هي تشارك أخويها فرحة نجاحهما، لتحيط بها من جديد، و بدت أكثر حزنا، بدأت تحس بأن لا أحد يهتم بها، والدتها أصبحت لا تبالي بها و هي منشغلة بأحوال الدكان، فقد كانت صديقتها الوحيدة في هذه القرية التي تحكي لها همومها و تواسيها في أوقات كربها و تشاركها أفراحها، لكن، تغيرت الأوضاع، و توجب عليها الاعتناء بنفسها و بأخويها.و ماذا عن مستقبلها؟ أ ستظل تخدم هذا المنزل إلى أن تجد نفسها ضحية إخلاصها لعائلتها؟لكن المشكلة الأهم الآن، هي المصيبة التي حلت بها، و شبح الخوف الذي يلاحقها و يرفض أن يخلي سبيلها، فعلها ذلك المجرم اللئيم و نجا بفعلته، و هذا أكثر ما يؤلمها و يحز في نفسها، تغرق وسط دوامة التفكير هذه باستمرار، ثم تخلص لكونها لن تجد حلا، فتتمتم قائلة:
_"لا حول و لا قوة إلا بالله".
الساعة تجاوزت الرابعة عصرا بقليل، و كان حسن قد عاد للتو من الدكان، توضأ و أدى صلاة العصر، ثم هم بالجلوس بالقرب من أخته فاطمة التي كانت تزيل الشوائب و تفصلها عن حبوب الفاصولياء من أجل إعدادها على طعام العشاء.بدا صامتا لمدة قصيرة، ثم بعدها، و بعد تفكير عميق، استفسر شقيقته قائلا:
_"لاحظت أن حالتكِ تزداد سوءا يوما بعد يوم، أ تظنين أن كل هذا بسبب ذكرى والدي؟"
لم تجب فاطمة عن سؤال أخيها، تجاهلته و لزمت الصمت، لكن حسن أردف و قد رسم ثغره ابتسامة ماكرة:
_"أ تراه الحب؟هل تحبين أحدهم و هو لا يبالي بكِ؟أخبريني بما لديكِ، نحن شقيقان،أوليس كذلك؟"
نظرت فاطمة في وجه أخيها بعيونها الحزينة التي امتلأت بالدموع، و قالت:
_"هذا ما كان ينقصني"
فلم يتردد حسن و قال بصوت أكثر جدية:
_"إذن ماذا بكِ؟توفي والدي منذ مدة، نحن لم ننساه و لن ننساه أبدا، لكن الموت من سنن الله عز و جل، و كذلك بالنسبة للفقر و الشقاء، هذا قدر الله.و لا يتوجب على الإنسان أن يقف مكتوف الأيدي تعيسا حزينا إذا ما كانت حياته مليئة بالمشاكل، بل و بالعكس، عليه أن يطمح ويكافح و يجاهد و يفعل كل ما في وسعه..، ثم إنكِ ما زلت شابة، بل و في عز شبابكِ..لما.."
ثم توقف حسن للحظة و أمسك بيدي شقيقته و استرسل:
_"أنا أحبكِ، و أريد مساعدتكِ، لا أطيق أن أراكِ حزينة هكذا، لقد غابت ابتسامتك عن ناظري لمدة طويلة، حتى البارحة و نحن نحتفل، كنتِ تصنعين ابتسامة مقنعة، و كانت عيناكِ تترجمان رسالة مشفرة لا أستطيع قراءتها، و لا شك أنها تحمل أنباء حزينة..، شيء ما يعكر صفو فرحتكِ، هو وتد غُرز بقوة في قلبكِ..، أخبريني يا فاطمة ما مشكلتكِ؟"
أراد حسن أن يمنح أخته ثقة أكبر في نفسها لكي تخبره بما يدور في رأسها و يسبب الغثيان لنفسيتها، بينما ركزت هي نظرها نحو الأرض، و الدموع تنهمر على خديها، و فكرت أن تقول الحقيقة، أن تفصح عن ما حدث، أرادت أن تجد من يساعدها للإطاحة بذلك المجرم الذي سرق عرضها و أنوثتها، ففتحت فمها لتبدأ الكلام و تعترف لشقيقها بما وقع..،لكنها وجدت صعوبة بالغة في ذلك، تتوقف الكلمات عند حنجرتها و البكاء قد غالبها، و حسن ينظر إليها بعطف ينتظر ما ستقول...،تراجعت بعد ذلك فاطمة و عدلت عن قرارها بعد أن تذكرت تهديد ذلك الوغد، فازدادت غزارة دموعها، ثم استجمعت قواها و قالت:
_"لا أدري ما الذي يصيبني، أحس بضيق في صدري..، و ذلك منذ أن توالت المصائب التي تسقط على رؤوسنا، بدأت الدنيا تسود في عيني، أرمق المستقبل بنظرات متشائمة، لذلك تراني دائمة الحزن و الكرب، صدقني يا حسن..هذا كل ما في الأمر"
ثم ارتمت في حضن شقيقها، و أخذت تعزف سمفونية البكاءأحس حسن بالثقل الملقى على ظهر أخته، و علم مدى معاناتها و حجم الكآبة التي تحيط بها، لكنه لم يصدق مبرراتها تلك، و مع ذلك، اضطر إلى الاكتفاء بما سمعه، فعانق شقيقته بقوة، ولم يتمالك نفسه هو الآخر، فهزمته الدموع، و نطق بصعوبة قائلا:
_"لا أريدكِ يا فاطمة أن تبكي مجددا، انسي الماضي الأليم، و عودي إلى حالتك الطبيعية، أنت وردة في مقتبل العمر..عودي لتتفتحي من جديد، أمامك المستقبل كله، و لا تحزني، و أنا أعدكِ بأن أعوضكِ عن كل ما ضاع وعن كل ما سيضيع..هيا امسحي دموعكِ و ابتسمي، و اجعليني أراكِ سعيدة و لو للحظات"
فمسح دموع أخته و ابتسم ابتسامة عذبة فقابلتها بأخرى أكثر عذوبة و صفاء، عانقا بعضهما البعض من جديد و بقوة أكبر، فكانت فاطمة قد أحست أنذاك ببعض الارتياح يعود ليخفف من وطأة معاناتها .

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ صيف حارق


لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-18
... مر يومان بعد ذلك، منزل السيدة خديجة يعرف نفس الروتين اليومي، الأخوان و انشغالهما بالدراسة و التنقل بين المدرسة و البيت ذهابا و إيابا، الأم التي بدأت تكرس وقتها كاملا لتحريك اقتصاد الأسرة الذي لا يبارح مستقره، منشغلة بتسيير الدكان، أصبحت لا تعود إلى بيتها بين أولادها إلا في أوقات متقطعة، فلا يستمتع أبناءها بالجلوس معها إلا بعد إقفالها للدكان و عودتها إلى المنزل بحلول الليل.ماذا عساها تفعل غير ذلك؟ ما باليد حيلة، لا يغمض لها جفن و الناس نائمون، أتعبت نفسها من التفكير لعلها تجد مخرجا آمنا لإنقاذ هذه الأسرة العزيزة على قلبها، و بناء مستقبل أولادها اليتامى.أما فاطمة، فمنذ أن تعرضت للهجوم الوحشي من قبل المراهق الطائش، و هي تحس بالضيق يغزو صدرها، و الألم يجرف كل إحساس في أعماقها و كأن أحدهم يمزق أوتار مشاعرها فلا يترك بداخلها إلا إحساسا بالخوف، الأسى، الضجر و الوحدة، فتظل عينيها تصنعان عصيرا مرا من فاكهة الدموع و هي تقوم بأشغالها المنزلية المعتادة.
    عاد حسن و خالد اليوم مبكرا من حصتهما الدراسية دون سابق إنذار، و ذلك بسبب الإضراب العام الذي يشنه رجال التعليم اليوم.و في طريق العودة، كان الحديث بين الشقيقين يدور حول يوم العطلة الغير المنتظر الذي حصلا عليه، قال خالد متسائلا:
_"يا أخي، لماذا تعددت الإضرابات هذه الأيام؟ و ما الهدف منها؟"
رد حسن قائلا:
_"إنها سياسات نقابات التعليم التي تسعى وراء تحقيق مطالبها، فتلجئ لهذا النوع من الممارسات"
_"كانوا على الأقل ليشعرونا بكون اليوم يوم إضراب لكي لا نضطر لقطع هذه المسافة بدون جدوى"
_"إنهم بهذه الإضرابات المتعددة يساهمون في عدم إتمام مقررات السنة، فنجد مشاكل عدة في السنوات اللاحقة"
...ثم أكملا طريقهما و هما يتجاذبان أطراف الحديث في جو أخوي مرح إلى أن وجدا نفسيهما أمام عتبة المنزل.
لم تتفاجئ فاطمة لعودة أخويها، بل إنها لم تعر انتباها لعودتهما، فهي غارقة في همومها، تكنس البيت و هي تتمنى أن تجد من يكنس المآسي و الآلام التي تملأ قلبها.أقبل عليها خالد سائلا:
_"أ أنت في حاجة إلى المساعدة يا أختي؟"
_"لا، اذهب و العب فأنا لست في حاجة للمساعدة"
استغرب خالد لرد فعلها غير اللبق هذا، و استغرب لمزاجها السيئ الذي أظهرته اليوم، فلم يجد خالد بديلا غير أنه انصاع لأمر أخته و خرج متجها إلى الدكان، لكي يتفقد أحوال والدته هناك. و كان حسن ينصت لما دار بين أخته و أخيه من حديث قصير، و على عكس شقيقه، لم يستغرب لرد فاطمة، فقد لاحظ أن انطباعها تغير كثيرا، و غابت شمس ابتسامتها الحلوة التي كانت تشرق على وجهها الجميل فتزيده جمالا، و هذا ما كان يطمئن حسن عندما ينظر في محيا شقيقته، ابتسامتها العذبة تريحه و تجعل غضبه يخمد، لكنها هذه الأيام ليست في أفضل أحوالها.بعد أن غير ثيابه، اقترب من أخته التي كانت تكنس بوابة المنزل، فوضع يده على كتفها بهدوء، فاستدارت نحوه، أمعن النظر في عينيها الكئيبتين و وجهها الشاحب، و قال بنبرة تحمل نوعا من الرقة و العطف:
_"فاطمة..أختي،أنت تعلمين أنني أعزك، و تعلمين أنني أعرفك جيدا أكثر من معرفة أي أحد آخر بكِ، لاحظت أنكِ في حال سيئة هذه الأيام، ماذا حل بكِ؟ أخبريني بما يلف قلبكِ علني أخفف عنكِ؟"
لزمت فاطمة الصمت لوهلة و ركزت نظرها نحو الأرض ثم قالت:
_"لا شيء يا أخي، لا تشغل بالك، أشعر بضيق في صدري هذه الأيام و لا أعرف سببه، لا تقلق و حسب"
_"أنا متأكد من أن هناك ما يشغل بالكِ أكثر من هذا، لا تكذبي علي يا أختي، ليس من عادتنا أن نخفي أي شيء عن بعضنا البعض..أنا شقيقك، أخبريني إن كنتِ تعانين من مشكلة لأساعدك في حلها"
فتصرخ فاطمة في وجهه قائلة:
_"لست أعاني من شيء، أسمعتني، ليست لدي أية مشكلة"
 فتدير ظهرها له، و تعود لإتمام ما بدأته، غير أن حسن لم يستسلم لعنادها، فأمسك هذه المرة بيدها اليمنى، و قال بنبرة أكثر رقة:
_"لست أحاول سوى مساعدتكِ يا أختي، و أنا أرى بوضوح علامات القلق في عينيكِ"
فتنهمر الدموع من عينيها، و تترك المكنسة تسقط أرضا، عانقها حسن و ضمها إلى صدره بقوة ثم قبّل جبينها منتظرا ردها قبل أن تردف قائلة:
_"إنها أحوال أسرتنا التي تقلقني، و أحزان وفاة أبي التي عاودتني يا أخي،ليس إلا"
أصرت على أن تخفي ما وقع لها، كانت خائفة من أن يكون رد فعل حسن سلبيا، و أحست كذلك بأنها يجب أن لا تثقل كاهل أسرتها بمشكلة أخرى، فاختارت أن تتحمل العبء لوحدها، رغم العذاب الذي سيلحقها و رغم الألم الذي ستزداد وطأته يوما بعد يوم، لكنها علمت اليوم قدر محبة أخيها لها و أحست و هي تعانقه بأن جزءا من همومها بدأ ينجلي و ببعض الأمل يتسلل إلى أعماقها.
مرت الأيام و حل فصل الصيف بحرارته الحارقة، و حلت معه العطلة السنوية، يلقبه حسن بفصل الملل، لأن أطفال هذه القرية و شبابها، و على قلتهم، لا يجدون طوب حجر يملئون به الفراغ الذي يحيط بهم كلما أقبلت عطلة آخر السنة سوى أنهم يمضون وقتهم في السباحة في مياه البحيرة غير واعين بالمخاطر التي تحدق بهم من أمراض تنتج عن أشعة الشمس الحارقة و الجراثيم التي تملأ المياه و كدى احتمالات الغرق، فكثيرة هي الفرص التي انتهزتها مياهها الراكدة لتبلع أحد هؤلاء المساكين، رغم إتقان معظمهم لأصول السباحة، و كما يحلوا لسكان القرية تسميتها "بحيرة الأربع"، لأنها اعتادت كل سنة أن تحفر في أعماقها قبورا لأربعة أشخاص على الأقل، فجمالها الساحر هذا يخفي وراءه شراسة غير عادية في مواجهة كل من أراد الاستجمام و الاستمتاع بالسباحة في مياهها.
لكنه صيف خرج عن المألوف في مذكرة أسرة السيدة خديجة، فهذا أول صيف ستقضيه هذه الأسرة دون الأب، الذي توفي فجأة، و ترك زوجته و أبناءه يواجهون العقبات التي تلقيها أمامهم أيادي القدر.و كان كلما اشتد القيظ هذه الأيام كلما ازدادت الكآبة في وجه فاطمة، و كلما أحس حسن بتفاقم وضعيتها النفسية التي لم يعرف لها دواء خصوصا و أنها تصر على أن تخفي سبب حزنها. كان يسمعها كل ليلة و هي تصدر أنين بكاء و انسياب دموع و هي على فراشها، فكان شقيقها يتألم كلما تألمت، و يزداد حيرة على حيرته كلما رآها على هذه الحال، و كل هذا يقع من وراء ظهر السيدة خديجة، التي انشغلت بتسيير الدكان و غرقت في بحر مشاكله..(يتبع).


رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ العودة من المدينة


لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-17
  ... إنها الرابعة عصرا، وجدت فاطمة مكانا هادئا أمام عتبة المنزل، تعيد هناك التفكير فيما حدث، و صور الحادث لا تكف عن تعذيبها، لا تجد سوى البكاء مواسيا، بينما شقيقها خالد جالس بالقرب منها ينتظر عودة والدته و شقيقه، لم يلحظ الحزن البادي على محيا أخته، استقبل قصتها التي روتها حول ما حدث لها ببراءة، فظن أنه حادث بسيط كان مقدرا أن تلعب فاطمة دور الضحية فيه، فلا يشغل باله الآن إلا العودة المنتظرة لوالدته و أخيه.و كانت العديد من الأسئلة تجول في ذهن فاطمة، تتساءل عن ما سيحمله المستقبل من جديد و إلى ماذا سيؤول وضعها، تُرى هل شاهد أحدهم ما حدث؟هل فعلا سينفذ الوغد انتقامه إذا ما أخبرت أحدا بما وقع؟تلوم نفسها تارة، و تسقط اللوم عنها تارة أخرى،لكن كيف ذلك و الواقعة ليس لوقعتها مثيل.لكنها قررت أن تخفي ما حدث و أن لا تخبر أحدا، لأنها خائفة..، خائفة من انتقام مصطفى، فهذا النذل الحقير لا معنى لحياته، و هو حتما سينتقم.و في خضم سردها لهذه الأفكار، و على الهامش، كان هنالك صوت ينبعث من أعماقها يُسمع له صدى في أذنيها، صوت قوي يقول لها:لا يا فاطمة، لا تستسلمي لهذا المجرم، لا تدعيه يفلت بفعلته،لا تدعي شرفك يلطخ بدماء العار، لا تجعليه يبدو كالبطل و أنت كالخاسرة، لا تتحملي العواقب لوحدك.لكن فاطمة كانت تدفن هذا الصوت و تُسكته لأنه يزيد من عذابها و معاناتها التي ستستمر ما دامت مصرة على كتمان سرها.
    فجأة، ظهر مصطفى، و على ثغره الكريه ابتسامة ثقة، و كأنه يؤكد على أنه سينفذ انتقامه إذا ما  اضطر لذلك، لم تتحمل فاطمة رؤية وجهه الخبيث، فنهضت و أسرعت في الدخول إلى البيت، و ارتمت على الحصير و بدأت تنتحب، بينما خالد يستغرب لما يقع، فنظر في وجه مصطفى الذي ألقى عليه التحية مبتسما و قال:
_"كيف حالك يا خالد؟"
رد خالد مبتسما بدوره:
_"بخير و الحمد لله".
ثم أكمل مصطفى طريقه نحو منزلهم بالجوار، و من شدة استغراب خالد، دخل ليستفسر أخته، فوجدها مستلقية تبكي، فربت على كتفها و سأل قائلا:
_"لماذا تبكين؟ و لماذا دخلت مسرعة هكذا عندما رأيتِ مصطفى؟ ليس من عادتكِ أن تتصرفي هكذا"
مسحت فاطمة دموعها، و قامت فعانقت شقيقها قائلة:
_"لقد راودتني ذكريات أبي فقط يا عزيزي"
اقترب موعد الغروب، و اقترب معه موعد عودة السيدة خديجة و ابنها حسن، و خالد ينتظر على أحر من الجمر عودتهما، بينما كانت فاطمة غارقة في تفكيرها و أساها، كان واضحا على محياها الحزن الشديد، تجلس بالقرب من أخيها الذي ما زال يقوم بواجباته الدراسية، و من حين لآخر يرفع رأسه ليلقي نظرة إلى أبعد نقطة يصل إليها بصره، باحثا عن امرأة و ولد يسيران في اتجاه المنزل.عندما سئم الانتظار، سأل شقيقته:
_"لماذا لم يأتيا بعد يا أختي؟"
ترد فاطمة بعد أن جففت عينيها من الدموع:
_"لا تقلق سوف يصلان قريبا"
لقد كان جوا موحشا بالنسبة لفاطمة، كما لم يكن موحشا من قبل، تزداد المحن التي تواجهها، و تقسو عواصف القدر في طرحها أرضا، و تزداد الدنيا سوادا في عينيها اللتان تنزفان من شدة الطعنات النفسية التي تعرضت لها.و ما هي إلا دقائق حتى ظهرت الأم و ولدها محملين بعلب جمة و أكياس تبدو ثقيلة، يسيران ببطء في طريقهما مقبلين على المنزل، و ما إن لمحهما خالد حتى ترك ما بين يديه من كتب و كراسات، و أسرع يستقبلهما جاريا في اتجاههما، دنا منهما و عانق والدته بقوة، وبالمثل فعل مع أخيه، ثم ساعدهما في حمل البضائع، و وقفت فاطمة كذلك لاستقبالهما، و قد رسمت شفتها ابتسامة لم تخفي ملامح الحزن التي طغت على وجهها، عانقت بدورها أمها، هذه الأخيرة التي لاحظت الجرح على رقبة ابنتها و سالت بنبرة قلقة:
_"ما سبب هذا الجرح على رقبتك؟"
فلم تتردد فاطمة في الإجابة عن السؤال باكية:
_"هاجمتني بعض الكلاب الشاردة و أنا في طريق عودتي من المنبع هذا الصباح..كادت تقتلني"
_"ماذا؟هاجمتكِ كلاب شاردة؟ ألم تصابي بأذى؟"تقول الأم بهلع.
فتجيب فاطمة نافية، ثم سكتت و أخذت تمسح دموعها، بينما تقدم حسن و عانقها، هو الذي لاحظ أن شقيقته ترتعش، سألها بدوره:
_"لماذا ترتعشين هكذا؟هل من خطب ما؟"
_"لا.. أنا بخير"
_"الحمد لله أنها لم تصبكِ بأذى كبير كما قالت أمي"
و هرع الجميع إلى داخل المنزل، و علامات الشك تحيط بحسن الذي لم يستسغ ما حصل لفاطمة.
    بعد أن جلس أفراد الأسرة، أخذ خالد يطرح الأسئلة على والدته:
_"كيف كانت زيارتكما للمدينة يا أمي؟"
_"الحمد لله، لقد وفقنا الله في مهمتنا، لم تواجهنا صعوبات كبيرة كما توقعنا"
_"كيف تبدو المدينة يا أمي؟أهي جميلة حقا؟"
_"ليس بالقدر الكافي لتكون أجمل من قريتنا، فأينما ذهبت لا تجد سوى دخان السيارات و الشاحنات التي تملأ الشوارع ضجيجا، زد على ذلك النفايات التي تنال من جنبات الطرقات، تجدها هنا، و تجدها هناك، تجدها أينما ذهبت".
_"أود أرى ذلك يا أمي".
_"حسنا، في المرة المقبلة سترافقني أنت بدلا من حسن، أ أنت راض الآن؟"
فطأطأ خالد برأسه موافقا و مبتسما كعادته، بينما كان حسن يتأمل وجه أخته الشاحب، لم تكن تشاركهم الحديث،حاضرة الجسد، غائبة الفكر، ليس من عادتها أن تسرح بخيالها هكذا، تُرى هل تسير معها الأمور بخير؟ هذا هو السؤال الذي كان يشغل بال حسن و هو جالس متعب يحتسي الشاي و يراقب تصرفاتها عن كثب، فيشاهد القلق باديا على محياها، بل الأكثر من ذلك، عينيها، اللتين لبستا اللون الأحمر،تشيران إلى الإرهاق الذي أصابها من كثرة البكاء، فيتسلل الشك إلى أعماقه، و تتقاطر الأسئلة على ذهنه، فبدا له أن الجرح الذي على رقبتها يخفي وراءه حدثا مريبا...(يتبع)

رواية "لو كان الفقر رجلا لقتلته"_ بداية المشوار


لو-كان-الفقر-رجلا-لقتلته-14
اتجهت مباشرة إلى الدكان، و أكملت عملية التنظيف و الترتيب التي بدأتها صباحا، ثم جلست تنتظر الزبائن الذين كانوا يسألون فلا يجدون، فكثيرة هي السلع الناقصة. بعد أن ارتخت الظلال، و سلكت الشمس مسلكها الذي يؤدي إلى ما وراء الجبال، حضر السيد عبد الله إلى الدكان، في زيارة كانت متوقعة من السيدة خديجة. رحبت به و دعته ليجلس ثم جلست هي الأخرى على صندوق خشبي قديم، أحنت رأسها و أطبقت شفتيها ممتنعة عن الكلام منتظرة المبادرة من والدها الذي قال:
_"هذا الدكان صغير جدا، كما أنه رث و قديم أيضا"
_"الحمد لله على كل حال، فهنالك من يتمنى أن يملك مثله ولا يستطع"
_"أنتِ تستطيعين أن تملكي أكثر"
_"ماذا تقصد يا أبي؟"
_"أقصد أنه يمكنك بيع الدكان و سأعينك لشراء حقل تعتمدين عليه من أجل كسب الرزق"
_"عدت ثانية إلى هذا الموضوع يا أبي؟ هذه الفكرة لا تعجبني"
_"أتظنين أن ستربحين من عملك في هذا الدكان؟"
_"نعم يا أبي، بشرط العمل الجاد"
_"لكنني أخاف عليكِ يا ابنتي، فهذه الأعمال من اختصاص الرجال"
_"ما من مستحيل يا أبي، سأعمل جاهدة لتحقيق ما حققه الرجال"
_"أرجو أن تبقي متفائلة هكذا"
_"رؤية نور في العتمة و الإيمان به أفضل من رؤيته و عدم تصديقه..،أعني أن نبقى متفائلين رغم كل المصاعب، فالتشاؤم يطيح من معنويات الشخص و يعيقه"
_"حسنا..."
ثم يضع الأب يده في جيب جلبابه و يُخرج منه بضع ورقات نقدية و يسترسل:
_"خذي هذه، إنها بعض النقود يمكنكي أن تحلي بها أزمتكِ إلى حين أن تُيَسّر الأمور"
تمسك السيدة خديجة بالنقود و تتأملها غير مصدقة، إنها لمفاجأة سارة حقا، نهضت بسرعة و قبلت يد و رأس والدها، و شكل فمها ابتسامة زخرفت وجهها، هي الأولى لها منذ أن توفي زوجها.
انقضى النهار و حل الليل، و كانت السيدة خديجة في طريقها إلى بيتها، و قد أتعبها التفكير في بؤس حال الدكان، عازمة على إنعاشه من جديد بتزويده بسلع أخرى غدا، و هي تتحسس المال الذي اقترضته من والدها، فتشعر برغبة كبيرة في حمل البشرى لأولادها بما في جعبتها.
موعد العشاء في المنزل، كالعادة خبز وحساء على القائمة، و أفراد الأسرة مجتمعون حول المائدة و التلفاز ينقذ المنزل من دوامة الصمت الرهيب، فقررت الوالدة الآن أن تسعد أولادها بالخبر، فقالت بصوت تغمره السعادة:
_"لقد وجدت غايتي، و اقترضت مبلغا من المال من والدي، يكفي لتغطية بعض حاجيات الدكان"
ردت فاطمة مبتسمة:
_"رائع يا أمي، أنا سعيدة من أجلكِ"
بينما بدت على وجهي الولدين علامات السرور، و أخذ الكل يتأمل الخبر، و الجميع يرى في الأمر نجاحا أوليا حققته الأم، من شأنه أن يشجعها على التقدم، فدبت نشوة الارتياح في أجسادهم، و أخذ حسن يطرح الأسئلة على والدته حول ما ينقص الدكان، و حول المبلغ الذي بحوزتها و موعد ذهابها لإحضار السلع، فأجابت عن أحد الأسئلة قائلة:
_"سأذهب معكَ غدا إلى المدينة، فغدا يوم عطلة، و سنجلب ما نحن بحاجة إليه من سلع للدكان..هل أنت موافق؟"
_"نعم يا أمي، و بكل سرور، فلا بد لي من أن أكون معكِ، خصوصا و أنها المرة الأولى التي ستبتاعين فيها حاجيات الدكان"
_"فلنسأل الله أن يوفقنا و يكون بجانبنا"تقول الأم و قد أحست بحجم المسؤولية على كاهلها، و شعرت بصعوبة المهمة، في حين امتلأت عيني فاطمة بالدموع سائلة الله أن يصلح حال هذه الأسرة الضعيفة.
بعدها عاد الجميع لشرب الحساء، و لوهلة بدا أن خالد لم يعد يشعر برغبة في تناول الطعام، فزيادة على الوجبة التي لا تغري بالأكل، هناك الأحداث الكئيبة التي تمر منها الأسرة، و المشاكل التي تلتف حولها، فماذا عساها تكون نفسية طفل صغير و هو وسط هذه الدوامة، فقالت له السيدة خديجة بعطف:
_"لماذا لا تتناول طعامك يا بني؟ماذا هناك؟"
_"أريد أبي يا أمي، أشتاق إليه، ليته لم يمت، ليته كان معنا الآن"
قالها و قد أذرفت عيناه دمعتين سالتا و هما تتلألئان فوق خديه الحمراوين.
أمسكت به والدته و جعلته يدنو منها و قالت معانقة إياه:
_"لا تقلق يا ولدي، كن على يقين دائم بأنني ما دمت حية أرزق فلن أتخلى عنكم، و سنواجه معا مصاعب الحياة و سنتفوق عليها، لو كان والدك هنا لما أرادك أن تبكي هكذا"
_"لكنني أفتقده يا أمي، إنني أفتقده"
ضمت الأم ولدها إلى صدرها، و ضغطت عليه بقوة فأصدر أنينا وقع على مسامعها كصوت خنجر جرح أوصالها، و جعل حسن و فاطمة يسدلان رأسيهما، فاستنزفت الدموع عيني الوالدة التي وضعت خدها الأيمن على رأس ابنها الذي بلل بدوره صدرها من شدة البكاء، و ما هي إلا ثوان حتى اقتربت فاطمة منهما و أمسكت يد أخيها و أجهشت هي الأخرى بالبكاء بينما ترك حسن صحن الحساء جانبا، و قال بصوت منخفض و الأسى يملأ قلبه:
_"أحس أن أبي يبكي مثلنا الآن"
    في اليوم الموالي، و في الصباح الباكر، أيقظت السيدة خديجة ابنها حسن، و أخذت تعد ما ستحتاجه أثناء تواجدهما في المدينة، لتضمن نجاح بداية حقبة جديدة من حقب حياتها و هي تدخل مجال التجارة من أضيق أبوابه. بعد ذلك انطلق الاثنان بإحساس ممزوج بالقلق و الخوف و التفاؤل و الغبطة، متجهين إلى موقف الحافلات، الذي لا تكاد تجد فيه سوى واحدة أو اثنتين على الأكثر، تنتظر أن تمتلئ بالذين راودتهم أنفسهم بتخطي حدود القرية إلى العالم الآخر، عالم الرخاء و الرفاهية، و يسر العيش و التقدم. المدينة بالنسبة للبعض من سكان هذه القرية رياض من رياض الجنة، و حلم يسعون إلى إدراكه، غير أن البعض الآخر يعتبرونها مكانا يحفل بالمخاطر و المفاجآت غير السارة، يتوجب على من يدخله، في نظرهم، توخي الحذر، بينما موقف السيدة خديجة بين هؤلاء موقف وسطية، فهي تؤمن بكون الحضر ملاذا يمكن أن يلتجئ إليه كل من يبحث عن تحسين أحواله المعيشية، شرط أن يكون عارفا بالمخاطر التي قد تواجهه، و قد بنت رأيها هذا استنادا على ما كان يرويه لها المرحوم زوجها من حكايات واقعية كان هو أحد أبطالها، أو أخرى يرويها له أحد معارفه، و هي في الغالب تحمل في جل مواضيعها المشاكل و الأخطار التي يواجهها القروي في المدينة، و بعض المواقف التي قد تصادفه، كما تحكي عن بعض العجائب و الطرائف التي تحدث هناك، فأبسط الأحداث التي تعتبر عادية عند سكان المدن  و فصلا من فصولها السنوية، قد تبدو خارقة للعادة في نظر هؤلاء الغرباء. في الطريق، تمتمت الأم قائلة:
_"هذه ثاني زيارة لي أطل من خلالها على المدينة..لكنها في أجواء مخالفة تماما"
كانت زيارتها الأولى لها كما قالت تماما:في أجواء مخالفة، إذ أنها أنذاك كانت برفقة زوجها، فبعد زواجهما مباشرة قرر السيد إبراهيم مرافقة زوجته في إلى المدينة لقضاء وقت ممتع فيها و التجول بين طرقاتها و أزقتها و شوارعها، يجوبون أروقتها متأملين جمالها بأعين ملئها اللهفة و العجب و في أجواء مفعمة بالحب و الفرح بين زوجين ما زالا في ريع شبابهما و في بداية مسيرتهما معا في مواجهة محن الحياة التي كانت تبدو أمام أعينهما مزهرة و بلون الورود، غير أنها اليوم رفقة ابنها حسن يتجهان إليها و قلبيهما لا يتسعان بما فيه الكفاية لتحمل مشكل آخر، لكن مع ذلك و في أعماق أعماقهما يوجد بصيص من الأمل يدفعهما لتصور المستقبل في حال أفضل...(يتبع)
 
Copyright © واويزغتــي | فين ما مشيت . Designed by OddThemes | Distributed By Gooyaabi Templates